كل مسلم مطالب بنظافة المسجد كنظافة منزله بل أشد، فتصان المساجد عن كل وسخ وقذر، وكل رائحة كريهة، ويتعين في حق داخل المسجد أن يتعاهد نعله عند إرادة دخول المسجد؛ لإزالة ما علق بها من أذى يكون سببًا في نجاسة المسجد إذا تساقط فيه، ولا ريب أن ساحة المسجد ورحبته في حكم المسجد، ويكثر كونها طريقًا إلى الجزء الداخلي من المسجد، ومن هنا يتعين الاهتمام بها وصيانتها من أذى النعلين.
وقد ورد عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: بينما رسول الله -ﷺ- يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله -ﷺ- صلاته قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله إلى: "إن جبريل -﵇- أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا -أو قال:- أذى" وقال: "إذ جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعيه قذرًا أو أذى فليمسحه ويصلّ فيهما" (٣).
فهذا الحديث دلّ على مسائل:
الأولى: مشروعية الصلاة في النعال، وأن الصحابة -﵃- كانوا يصلون في نعالهم، وفي هذا مخالفة لليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم.
وقد دلّ على مشروعية الصلاة بالنعال نصوص كثيرة منها:
ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي -ﷺ- يصلي في نعليه؟ قال: نعم (٤).
_________________
(١) عزاه في "إعلام الساجد" ص (٣١٥)، إلى مسند أحمد ومسند سعيد بن منصور، وقال: هنا إسناد على شرط مسلم. وكنا عزاه إلى الثاني فقط المجد في المنتقى (١/ ٣٩٩)، وساقه بإسناده.
(٢) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٧٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٥٣)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، كما في "مشكاة المصابيح" بتحقيق الألباني (١/ ٢٣٨)، وله شاهد من حديث أنس -﵁- أخرجه الحاكم (١/ ٢٣٥)، والبيهقي (٢/ ٤٠٤)، وغيرهما. وهو حديث صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم.
(٤) أخرجه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥).
[ ٦٢ ]
وعن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي في نعليه (١).
وينبغي للمسلم أن يصلي في نعليه أحيانًا، لا سيما إذا كان المسجد غير مفروش، أو في رحبته، أو مصلى العيد، أو في الصحراء لسفر أو نزهة ونحوهما، ومن فوائد ذلك تطبيق السنة، وإشاعتها بين الناس.
ويرى فريق من أهل العلم استحباب الصلاة في النعال. ويرى آخرون أن الصلاة بها من الرخص، لا من المستحبات؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، ولبس النعال في الصلاة وإن كان ملابس الزينة إلا أن ملامسة الأرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة (٢).
أما إذا كان المسجد مفروشًا فإنه لا يصلي في نعليه لأمرين:
الأول: أن المساجد لا تسلم من تلويث فرشها حتى مع العناية بالنعال وتفقدها؛ لأن الفرش سريعة التأثر باللون والرائحة، ولذا قال ابن عابدين: "إذا خشي تلويث فرش المسجد ينبغي عدمه -أي عدم الصلاة بالنعال- وإن كانت طاهرة" (٣)، وقال ابن دقيق العيد: (وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية؛ لأنها من باب دفع المفاسد، والأخرى من باب جلب المصالح) (٤).
الأمر الثاني: أن الغالب على الناس الغفلة عن العناية بنعالهم حين يدخلون المسجد، لا سيما إذا اعتادوا دخول المساجد بها فإنه مع طول الزمن تضعف عنايتهم بها.
المسألة الثانية: أن مسح النعل ودلكها بالأرض مطهر لها من القذر والأذى (٥)، فليحرص المسلم على مسح نعله ودلكها بالأرض عند دخول المسجد ولو لم يرد الصلاة بها، لئلا يؤدي ذلك إلى تساقط الأذى في المسجد، وهذا أمر تركه كثير من الناس، نتيجة العجلة في دخول المسجد.
الثالثة: أن المصلي إذا خلع نعليه وكان وحده وضعهما عن يساره، وإذا كان مع غيره في الصف وكان عن يمينه وعن يساره ناس فإنه يضعهما بين رجليه؛ لما ورد عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذي بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه أو ليصلّ فيهما" (٦).
وبعض المصلين يضع نعليه أمامه، أو خلفه، أو عن يمين غيره، فيؤذي بهما الآخرين، ولا سيما مع تقارب الصفوف، كما في ساحة المسجد الحرام، والمقصود هو عدم أذية الآخرين، فليتصرف فيهما بعيدًا عن ذلك.