من آداب دخول المساجد أن من دخل مسجدًا فوجدهم يصلون وهو قد صلّى، فإنه يشرع له أن يصلي معهم، إدراكًا لفضل الجماعة، سواء كان الوقت وقت نهي أم لا، وتكون له نافلة؛ لقوله -ﷺ-: "صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم فصلّ، ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي" (٣).
قال النووى: (وفي هذا الحديث: أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب كباقي الصلوات؛ لأن النبي -ﷺ- أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، ولنا وجه أنه لا يعيد الصبح والعصر؛ لأن الثانية نفل، ولا تنفل بعدهما، ووجه أنه لا يعيد المغرب؛ لئلا تصير شفعًا،
_________________
(١) = أوهام" وانظر: مجمع الزوائد (٢/ ٤٥).
(٢) ميزان الاعتدال (٤/ ١٣٩، ١٤٠).
(٣) انظر تحفة الأحوذي (٢/ ٩) وما بعدها.
(٤) أخرجه مسلم (٦٤٨).
[ ١١٤ ]
وهو ضعيف) (١) وقال في بداية المجتهد: (والتمسك بالعموم أقوى) (٢).
وعن يزيد بن الأسود العامري قال: شهدت مع رسول الله -ﷺ- صلاة الفجر في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته إذ هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، قال: "عليّ بهما"، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ "، قالا: يا رسول الله! إنا قد صلينا في رحالنا؛ قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم؛ فإنهما لكما نافلة" (٣).
قال الترمذي (وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: إذا صلى الرجل وحده ثم أدرك الجماعة فإنه يعيد الصلوات كلها في الجماعة، وإذا صلى المغرب وحده ثم أدرك الجماعة قالوا: فإنه يصليها معهم ويشفع بركعة، والتي صلى وحده هي المكتوبة عندهم) (٤).
قال السندي: (وقوله: "فصليا معهم": هذا تصريح في عموم الحكم في أوقات الكراهة أيضًا، ورافع عن تخصيص الحكم بغير أوقات الكراهة؛ لاتفاقهم على أنه لا يصح استثناء المورد من العموم، والمورد صلاة الفجر). اهـ (٥).
وقال في عون المعبود: (وظاهر الحديث حجة على من منع عن شيء من الصلوات كلها، ألا تراه ﵊ يقول: "إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصلّ فيصل معه"؟ ولم يستثن صلاة دون صلاة) (٦).
وقد أفتى بمقتضى ذلك إمام السنة أحمد بن حنبل -﵀- قال أبو داود: سمعت أحمد قال له رجل: إذا دخلت المسجد وقد صليت العصر وأقيمت الصلاة؟ قال: صلّ معهم، قيل: والظهر؟ قال: والصلوات كلها، قال أبو داود لأحمد: والمغرب إذا صليتها أضيف إليها ركعة؟ قال: نعم (٧).
وهذه الإعادة سببها حضور الجماعة، ولا فرق بين أن يصلي الأولى وحده أو يصلي مع جماعة، ولا فرق -أيضًا- في إعادتها مع الجماعة بين ما إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد، أو دخل المسجد وهم يصلون؛ لعموم الأدلة، ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به، والوقوع في عرضه وأنه ليس من المصلين.
وظاهر قوله -ﷺ- في حديث يزيد: "إذا أتيتما مسجد جماعة" أن ذلك مختص بالجماعة التي تقام في المسجد، لا التي قد تقام في غيره، فمن حضر جماعة يصلون في منزل لعذر وكان هو قد صلّى لم يصلّ معهم، فيحمل المطلق الوارد في بعض روايات الحديث على هذا المقيد، والله أعلم (٨).
قال في المغني: (إذا أعاد المغرب شفعها برابعة، نص عليه أحمد؛ لأن هذه الصلاة نافلة، ولا يشرع
_________________
(١) شرح النووي (٥/ ١٥٤).
(٢) بداية المجتهد (١/ ١٧٩).
(٣) تقدم تخريجه في الكلام على تحية المسجد وقت النهي.
(٤) جامع الترمذي (١/ ٤٢٦).
(٥) حاشية السندي على النسائي (٢/ ١١٣).
(٦) عون المعبود (٢/ ٢٨٤)، وراجع مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٨٨).
(٧) مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص (٤٨).
(٨) نيل الأوطار (٣/ ١٠٧).
[ ١١٥ ]
التنفل بوتر غير الوتر، فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها؛ لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته). اهـ (١).
وفي هذه المفارقة مخالفة لقوله -ﷺ-: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٢)، قال ابن أبي شيبة في مصنفه: (باب من قال: إذا أعدت المغرب فاشفع بركعة)، وذكر آثارًا عن السلف، منها: عن علي -﵁- قال: يشفع بركعة. يعني: إذا أعاد المغرب (٣).
ولو قال قائل إنه يصلي معهم المغرب، ولا يلزم أن يزيد عليها ركعة؛ لعموم الأدلة في هذه المسألة؛ لما كان ذلك بعيدًا، لكنه مبني على صحة التطوع بوتر، والله أعلم.