إن المساجد موضع العبادة وحضور الملائكة ونزول الرحمة. فما بنيت إلا لذكر الله تعالى والصلاة.
فلها من الحرمة ما ليس لغيرها. وقد اختصت المساجد بآداب ينبغي للجالس فيها أن يتحلى بها، وتكون طبيعة له وسجية بلا تكلف ولا مشقة.
وقد نوه الله تعالى بذكر المساجد، وأثنى على المتعبدين فيها؛ قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]. وجمهور المفسرين على أن المراد بالبيوت: المساجد (١).
وقد وصف النبي -ﷺ- المساجد بأنها أحب البقاع إلى الله تعالى، ففي حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" (٢).
قال في بلوغ الأماني: (وإنما كانت المساجد أحب البقاع إلى الله ﷿؛ لأنها مكان الصلاة، والعبادة، وذكر الله، وتعمرها الملائكة، أما الأسواق فكانت أبغض البقاع إلى الله؛ لما يكثر فيها من الكذب والغش والخداع والأيمان الكاذبة؛ ولأنها مساكن الشياطين، تلهيهم عن ذكر الله وإقام الصلاة، وتغويهم على الكذب والأيمان الفاجرة، نعوذ بالله من ذلك) (٣).
وكما أخبر النبي -ﷺ- عن المساجد بأنها أفضل البقاع، فقد أخبر عن وظيفتها ومهمة الجالس فيها؛ ففي حديث أنس -﵁- في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد جاء قوله -ﷺ-: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر؛ إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن" (٤).
فليحرص من وفقه الله تعالى للتقدم إلى المسجد قبل الإقامة على التحلي بالآداب الشرعية بعد أن يصلي تحية المسجد أو السنة الراتبة، ومن ذلك ما يلي: