إذ ارتدى المصلي ثيابه النظيفة واهتم برائحته وسواكه وخرج من بيته إلى المسجد سنّ له أن يدعو بدعاء النبي -ﷺ- الذي ورد في حديث ابن عباس -﵄- أنه قال: رقدت عند رسول الله -ﷺ- فاستيقظ فتسوك، وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم اعطني نورًا " (٣).
واعلم أخي المسلم أن هذا الدعاء ورد عن النبي -ﷺ- في مواطن أخرى غير وقت الخروج إلى المسجد، فقد ورد في بعض الروايات عند مسلم: (فجعل يقول في صلاته أو في سجوده)، وعند البخاري في الدعوات: (فصلى ولم يتوضأ، وكان يقول في دعائه)، وعند الترمذي: (سمعت رسول الله -ﷺ- حين فرغ من صلاته ) الحديث، وفيه زيادات.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٥٦)، والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨)، والنسائي (٧/ ٦١، ٦٢). وغيرهما من حديث أنس -﵁-، وهو حديث صحيح.
(٢) راجع الوابل الصيب لابن القيم (ص ٢٥، ٢٦). والحديث أخرجه أبو داود (٤٩٨٥)، وأحمد (٥/ ٣٦٤)، وهو حديث صحيح.
(٣) أخرجه مسلم (٧٦٣)، وأصله في البخاري، لكن جاء بدل قوله: (فخرج إلى الصلاة وهو يقول): (وكان يقول في دعائه). وانظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٨)؛ وفتح الباري (١١/ ١١٦)، وتحفة الأحوذي (٩/ ٣٦٧). وقد ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- في (آداب المشي إلى الصلاة)، ص ٤.
[ ٥١ ]
وهذه الروايات كلها ثابتة، وطريق الجمع بينها أن يدعو المسلم بهذا الدعاء في هذه المواضع كلها، كما أفاد ذلك الحافظ أبن حجر في "تخريج أحاديث الأذكار" (١).
وهذه قاعدة في كل عبادة ترد على وجوه متنوعة ثابتة، كأدعية الاستفتاح، وصيغ التشهد، وأدعية الرفع من الركوع، وغير ذلك، فالأفضل أن يفعل هذا تارة، ويفعل هذا تارة؛ ليكون عاملًا بالسنة، وإن كان بعض الأنواع أرجح وأفضل (٢).
وأحسب أن هذا الدعاء من السنن المهجورة اليوم، التي قلما يفطن لها كثير من الناس، لا سيما وأنه يحتاج إلى حفظ، فينبغي حفظه والاعتناء به؛ فإنه دعاء عظيم؛ لأنه دعاء بالعلم والهداية، والمسلم إذا اجتمع له نور الفطرة ونور الإيمان ونور العلم حاز الخير كله، وليس كل أحد يصلح لذلك. قال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥].
قال النووي -﵀- في شرح صحيح مسلم: (قال العلماء: سأل النور في أعضائه وجهاته، والمراد به: بيان الحق وضياؤه والهداية إليه، فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته في جهاته الست حتى لا يزيغ شيء منها عنه) (٣).
هذا وقد ذكر النووي في كتابه: (الأذكار) أن المصلي إذا خرج من بيته يضم هذا الدعاء إلى الأدعية الواردة فيما يقول من خرج من بيته إلى أي موضع (٤). قلت: ولا سيما إذا كان المسجد بعيدًا.
ومن ذلك ما ورد عن أم سلمة -﵂- قالت: ما خرج النبي -ﷺ- من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضِلّ أو أضَلّ، أو أزِل أو أزَلّ، أو أظِلم أو أظلَم، أو أجهل أو يجهل علي" (٥).
وعن أنس بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: باسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله". قال: "يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت. فتتنحى له الشياطين. فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ " (٦).