لما كانت المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى؛ لأنها بيوت الطاعة ومظنة لنزول الرحمة وأساسها على التقوى، فيها يعبد الله ويوحد، أرشد النبي -ﷺ- إلى من دخل المسجد إلى أدعية جامعة مناسبة للحال، فقد ورد عن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك" (٦).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي -ﷺ-: أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"، قال عقبة لحيوة: أقط؟ قلت: نعم. قال: "فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم" (٧).
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي -ﷺ- وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي -ﷺ- وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم" (٨).
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٢١٨)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٢) فتح الباري (٥٢٣).
(٣) أخرجه البخاري (٤٢٦)، ومسلم (٢٦٨). وانظر: فتح الباري (١/ ٥٢٣).
(٤) عمدة القاري (٣/ ٤٢٩).
(٥) الفتوحات الربانية لابن علان (٢/ ٤٢).
(٦) أخرجه مسلم (٧١٣). وأما زيادة (رب اغفر لي، وافتح لي ..)، فقد وردت عند الترمذي (٣١٤)، من طرق ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى. وهذا سند منقطع، كما قال الترمذي، وليث بن أبي سليم ضعيف، وقد تفرد بهذه الزيادة، وقد تابعه على رواية أصل الحديث إسماعيل بن علية، وليس فيه هذه الزيادة، وقد ساقه الترمذي (٣١٥). وإسماعيل ثقة حافظ، والله أعلم.
(٧) أخرجه أبو داود (٤٦٦)، بإسناد جيد، كما قاله النووي في "الأذكار" ص (٣٣)، وقد عزاه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦/ ٧٠)، إلى صحيح البخاري، فلعله سهو، والله أعلم.
(٨) أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٣١)، وابن حبان (٣/ ٢٤٧)، والحاكم (١/ ٢٠٦)، وقال: على شرطهما. وأقره الذهبي، وأخرجه النسائي (٩٠)، وابن السني (٨٥)، كلاهما في عمل اليوم والليلة، وأخرجه ابن ماجه (١/ ٢٥٤)، من طريق =
[ ٦٤ ]
وسر تخصيص طلب الرحمة بالدخول وسؤال الفضل بالخروج أن من دخل المسجد اشتغل بما يقربه إلى الله تعالى وإلى رضوانه وجنته من الصلاة والذكر والدعاء، فناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] (١).
فإذا دخل المسجد وانتهى إلى الصف سنّ له أن يدعو بما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- أن رجلًا جاء إلى الصلاة ورسول الله -ﷺ- يصلي فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فما قضى رسول الله -ﷺ- الصلاة، قال: "من المتكلم آنفًا"؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: "إذ يعقر جوادك، وتستشهد في سبيل الله" (٢).
وكثير من الناس لا يعرف هذه الأدعية، أو يخلّ بها، أو يقولها على صفة تخالف ما هي عليه، فليحرص المصلي على الدعاء.
فما أقرب الإجابة لمن توفرت عنده شروط الدعاء!!