تقدم أول الكتاب أن من حكم مشروعية صلاة الجماعة حصول الألفة بين الجيران وأهل المحلة الواحدة، فيتعرف بعضهم على أحوال بعض، فيقومون بإغاثة الملهوف وعيادة المريض، وتفقد أحوال العاجز، كما يظهر في صلاة الجماعة الاجتماع والبعد عن التفرق والاختلاف، ثم التعاون على الطاعة، وهذا وغيره إنما يتم إذا صلى أهل المحلة الواحدة في مسجد واحد، ومن هنا رغب الإسلام المسلم في أن يؤدي صلاة الجماعة في المسجد الذي يليه، ولا يتخطاه إلى غيره، إلا لغرض شرعي مطلوب. وقد ورد عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ليصل أحدكم في مسجده، ولا يتتبع المساجد" (٤).
إن تخطي الإنسان المسجد الذي بجواره إلى مسجد آخر يترتب عليه أمران محذوران في نظر الإسلام (٥):
الأول: هجر المسجد الذي يليه، فإذا ذهب هذا، وذهب هذا أدى ذلك إلى خلو المسجد عن جماعته، لا سيما مع قلتهم، ولا ريب أن عمارة المسجد، والتعاون على الطاعة، وتنشيط المتكاسل كل ذلك من المطالب العظيمة التي يتحقق بها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى اَلبِرِّ وَاَلتَّقوَى﴾ [المائدة: ٢].
الثاني: إيحاش صدر الإمام، وإساءة الظن به، والوقوع في عرضه وذلك بالخوض في الأسباب التي جعلت هذا الإنسان يتخطى مسجده إلى مسجد آخر، وقد يفتعل أسبابًا يبرر بها تصرفه، والإمام منها بريء، وهذا أمر ملاحظ، فإن الغالب أن من يتخطى مسجده إلى مسجد آخر بصفة دائمة إنما هو لسبب بينه وبين الإمام، لا لغرض شرعي.
قال في المغني: (وإن كان في قصد غيره -أي غير مسجده- كسر قلب إمامه أو جماعته فجبر قلوبهم أولى، وإن لم يكن كذلك فهل الأفضل قصد الأبعد أو الأقرب؟ فيه روايتان:
إحداهما قصد الأبعد، لتكثر خطاه في طلب الثواب، فتكون حسناته أكثر.
_________________
(١) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٤٧٢)، والقول المبين في أخطاء المصلين (ص ٧٨).
(٢) انظر فتح الباري (١/ ٥٧٧).
(٣) انظر شرح النووي (٤/ ٤٧٢).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧٠)، والأوسط (٦/ ٨٢، ٨٣) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٥/ ٢٣٤) و"صحيح الجامع" (٥٣٣٢).
(٥) ذكرها ابن القيم في "أعلام الموقعين" (٣/ ١٦٠) بإيجاز.
[ ١٢٢ ]
والثانية: الأقرب؛ لأن له جوارًا، فكان أحقّ بصلاته، كما أن الجار أحقّ بهدية جاره ومعروفه من البعيد ..) (١).
وظاهرة تخطي المسجد الذي يليه تكثر في شهر رمضان المبارك عندما يتتبع الناس المساجد طلبًا لحسن الصوت في صلاة التراويح، أو صلاة التهجد، وأدى ذلك إلى هجر مساجد أخرى وخلوها من المصلين، وفي ذلك تفريق الجماعة وإضعاف نشاطهم ورغبتهم، ثم إنه انصراف من شاء الله من عباده عن الخشوع في الصلاة وحضور القلب إلى التعلق بمتابعة الصوت الحسن لذات الصوت، فأدى ذلك إلى تكرّه النفوس للصلاة خلف إمام لا يستحسن صوته (٢)، ومن الناس من لا يستقر على إمام معين فيظل ينتقل من مسجد إلى آخر طوال الشهر، وربما خرج من بعض المساجد قبل انصراف الإمام ونهاية التراويح؛ لأنه لم يعجبه صوته، فالله المستعان.
وقد ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد عن محمد بن بحر قال: رأيت أبا عبد الله في شهر رمضان، وقد جاء فضل بن زياد القطان بأبي عبد الله التراويح، وكان حسن القراءة، فاجتمع المشايخ وبعض الجيران حتى امتلأ المسجد، فخرج أبو عبد الله، فصعد درجة المسجد، فنظر على الجمع، فقال: ما هذا؟ تدعون مساجدكم وتجيئون إلى غيرها، فصلى بهم ليالي، ثم صرفه كراهية لما فيه -يعني من إخلاء المساجد-، وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده (٣).
أما إذا وجد غرض صحيح لتخطي الإنسان مسجده إلى مسجد آخر، مثل أن يكون إمام مسجده لا يتم الصلاة (٤)، أو يرتكب بعض المخالفات، أو ضعيفًا في القراءة ونحو ذلك فلا بأس إن شاء الله، أو كان يفعل ذلك في بعض الأوقات لحضور درس أو محاضرة في المسجد الأبعد، أو لكون الأبعد يبادر في الصلاة والمأموم محتاج إلى ذلك فأرجو أن لا حرج، والله أعلم.