إذا دخل المصلي المسجد فوجد الإمام قد فرغ من الصلاة، أو في التشهد -كما مضى- فإن له أن يقيم جماعة ثانية هو ومن معه، ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، لكن لا ينبغي للجماعة الثانية أن يصلوا إذا وجدوا الإمام في التشهد إلا بعد أن تنتهي الجماعة الأولى التي مع الإمام الراتب؛ لئلا تجتمع
_________________
(١) هذا قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري (٦٩٩) وفي مواضع أخرى، ومسلم (٧٦٣).
(٢) انظر فتح الباري (٢/ ١٩٢).
(٣) التمهيد (١٣/ ٢١٠).
(٤) انظر فتح الباري (٣/ ١٤).
(٥) المرجع السابق. والحديث يأتي تخريجه -إن شاء الله-.
(٦) انظر: الحكم التاسع عشر.
(٧) انظر فتح الباري (٢/ ١٣١).
[ ١١١ ]
جماعتان في مسجد، سواء كانت الجماعة الثانية مع الأولى في مكان واحد من المسجد، أو لا؛ لئلا يكون ذلك افتياتًا (١) على الإمام.
واعلم أن من تأمل مصادر الشريعة ومواردها وما اشتملت عليه من المصالح والرغبة في الاجتماع والائتلاف، وعدم التفريق والاختلاف؛ علم أن إقامة جماعة ثانية غير معتادة أولى من تفرقهم وصلاة كل واحد منهم منفردًا.
وقد دلت نصوص الشريعة على هذا، وسأذكر -بعون الله- بعض هذه الأدلة، وشيئًا من كلام أهل العلم في هذه المسألة المهمة:
فعن أُبي بن كعب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: " وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله ﷿" (٢).
فدل الحديث بعمومه على أن من صلى مع رجل فهو أزكى من صلاته منفردًا، فيدخل في ذلك إقامة جماعة ثانية لمن فاتتهم الجماعة مع الإمام الراتب.
وعن أبي سعيد الخدري -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ فقام رجل فصلى معه" (٣).
وقد بوب ابن خزيمة على هذا الحديث فقال: "باب الرخصة في الصلاة جماعة في المسجد الذي قد جمّع فيه ضدّ قول من زعم أنهم يصلون فرادى إذا صلى في المسجد جماعة مرة" (٤).
قال البغوي: (ففيه دليل على أنه يجوز لمن صلى في جماعة أن يصليها ثانيًا مع جماعة آخرين، وأنه يجوز إقامة الجماعة في مسجد مرتين، وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين) (٥).
وقول المانعين: إنها صلاة متنفل وراء مفترض فيجوز تكرارها، وأما بمفترض فلا يجوز. فهذا فيه نظر قوي؛ فإنها إذا جازت بمفترض ومتنفل فما الذي ينفي جوازها بمفترضين؟ ومن ادعى الفرق فعليه الدليل (٦).
وعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٧).
فهذا الحديث نص صريح في فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يرد تقييد ذلك بألا تكون جماعة ثانية، بل جاء مطلقًا في كل صلاة الجماعة، والرجل مع الرجل جماعة؛ لأن الرسول -ﷺ- جعل التضعيف لغير الفذ، فعلم أن ما زاد على الفذ فهو جماعة، فإذا أقام رجلان جماعة ثانية حصل لهما التضعيف -إن شاء الله- لهذا الحديث، والله أعلم.
_________________
(١) افتات عليه في الأمر: حكم، وكل من أحدث دونك شيئًا فقد افتات عليك فيه. "اللسان" (٢/ ٦٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٥٩)، والنسائي (٢/ ١٠٤) وإسناده صحيح، قاله الألباني.
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨٢) وإسناده صحيح.
(٤) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٥٧).
(٥) شرح السنة (٣/ ٤٣٨)، وانظر شرح المهذب (٤/ ٢٢٢).
(٦) انظر تحفة الأحوذي (٢/ ١١).
(٧) أخرجه البخاري (٦١٩)، ومسلم (٦٥٠).
[ ١١٢ ]
ولقد كان السلف الصالح من هذه الأمة أفهم منا لمدارك النصوص وأعلم بمقاصد الشرع، فجاء عن عدد منهم إقامة جماعة ثانية في مسجد قد صلى فيه، حين فاتتهم الجماعة الأولى. فقد ورد عن عبد الله بن مسعود -﵁- أنه دخل المسجد وقد صلوا فجمّع بعلقمة ومسروق والأسود (١).
وجاء أنس -﵁- إلى مسجد قد صُلّي فيه فأذن وأقام، وصلى جماعة (٢).
وعن ابن جريج: قلت لعطاء: نفر دخلوا مسجد مكة خلاف الصلاة -أي: بعد الصلاة- ليلًا أو نهارًا أو يؤمهم أحدهم؟ قال: نعم، وما بأس ذلك؟ (٣).
وهناك آثار وأقوال أخرى تفيد جواز ذلك (٤)، وفيما ذكر كفاية إن شاء الله.
وأما ما ورد عن السلف من كراهية جماعة ثانية وأنهم يصلون فرادى فلعله محمول على ما إذا اعتاد أناس إقامة جماعة دائمة في مسجد لا إمام راتب، يصلون وحدهم، ويخرجون وحدهم، فهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الكلمة، والقضاء على وحدة المسلمين واجتماعهم، كما أنه سبب لاختلاف القلوب، والتهاون بالصلاة مع الإمام، ولئلا يرغب رجال عن إمامة رجل فيجدون غيره إمامًا، فيؤدي ذلك على تقليل الجماعة مع الإمام الراتب وهذا ممنوع (٥).
ولا ريب أن إقامة جماعة ثانية بصفة دائمة لم يكن في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك فيما بعد، فيكون من البدع، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦).
ومن الملاحظ أن إقامة جماعة ثانية لا يكون في الغالب من قوم كثر، بل يصلي واحد بمثله أو باثنين أو ثلاثة، ولا أظن أن أحدًا منهم يجري على باله تفريق الكلمة، أو التأخر عن الجماعة مع الإمام الراتب، ثم إن مثل هذه الجماعة إن وجدت في مساجدنا فهي في الغالب من عابري سبيل ليسوا من جماعة هذا المسجد الذي صلوا فيه، فالقول بجواز الجماعة الثانية على الصفة المذكورة وجيه، لما ذكر. والله أعلم.
أما ما يقع في المساجد التي على ظهر الطريق مما ليس فيه مؤذن راتب، ولا إمام معلوم، فيصلي فيه المارة جماعة جماعة فهذا لا محذور فيه؛ لأنه ليس فيه المعنى الذي تقدم من تفرق الكلمة، وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيجدون غيره إمامًا. قال النووي: (إذا لم يكن للمسجد إمام راتب فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة بالإجماع) (٧).
وقد استدل المانعون من إقامة جماعة ثانية في المسجد بحديث أبي بكرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله فصلى بهم (٨).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٢٣). قال في بلوغ الأماني (٥/ ٣٤٤): إسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا (٢/ ١٣١ الفتح). قال الحافظ في تغليق التعليق (٢/ ٢٧٧): هنا إسناد صحيح موقوف. اهـ.
(٣) المحلى لابن حزم (٤/ ٢٣٧، ٢٣٨).
(٤) المصدر السابق، وانظر: فتاوى ابن باز (١٢/ ١٦٥ - ١٧٣) وابن عثيمين (١٥/ ٩٣).
(٥) انظر الأم للشافعي (١/ ١٨٠).
(٦) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٥٨).
(٧) المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٢٢).
(٨) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٠٤) وقال: "لهم لم يرو هنا الحديث عن خالد الحذّاء إلا أبو مطيع معاوية بن يحيى، ولا يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد" قال في التقريب: "معاوية بن يحيى الطرابلسي، أبو مطيع، صدوق له =
[ ١١٣ ]
ووجه الدلالة على المنع: أن الجماعة الثانية لو كانت مشروعة بلا كراهة لصلى النبي -ﷺ- في المسجد، ولما اختار بيته على جماعة المسجد.
والجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن أحاديث فضل صلاة الجماعة أكثر وأقوى سندًا من هذا الحديث، فإنه مختلف في صحته، وللعلماء فيه كلام. وقد ذكره الهيثمي ثم قال: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات).
وهذا لا يعني صحة الحديث، ولا أنه حسن، على أن في سنده أبا مطيع معاوية بن يحيى، وهو متكلم فيه، بل إن الحافظ الذهبي في الميزان لما ترجمه ذكر له أحاديث مناكير، ومنها هذا (١).
الثاني: على فرض صحة الحديث فليس فيه دلالة على المنع، وذلك من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الحديث ليس بنص على أنه -ﷺ- جمع أهله فصلى بهم في المنزل، بل يحتمل أن يكون صلى بهم في المسجد، ويكون ميله إلى منزله لجمع أهله لا للصلاة فيه.
الثاني: سلمنا أنه صلى بهم في المنزل، فلا يثبت منه كراهة جماعة ثانية في المسجد، بل غاية ما يفيد أنه لو جاء رجل إلى مسجد قد صلي فيه فله أن لا يصلي فيه، بل يذهب إلى بيته ويصلي بأهله، وأما أنه لا يجوز له أن يصلي في ذلك المسجد بالجماعة، أو يكره له ذلك فلا دلالة للحديث عليه.
الثالث: لو ثبت من هذا الحديث كراهة تكرار الجماعة؛ لأجل أنه -ﷺ- لم يصل في المسجد، فلآخر أن يستدل به على كراهة الصلاة فرادى؛ لأنه -ﷺ- لم يصل في المسجد لا منفردًا ولا بالجماعة، وعليه فالرسول -ﷺ- ترك فضل المسجد النبوي ولم يصل فيه منفردًا، وهم يقولون: لو كانت الجماعة الثانية مشروعة بلا كراهة لما ترك فضل المسجد النبوي (٢).
وإذا كان الحديث بهذه الاحتمالات فكيف يؤخذ به ويترك ما هو أوضح دلالة وأقوى سندًا؟ على أن المنع من إقامة جماعة ثانية قوي فيمن اعتاد التخلف عن الجماعة، وصار ديدنه إقامة جماعة ثانية. والله أعلم.