اعلم أن نصوص الشريعة قد وردت بالحث على المبادرة بالأعمال الصالحة، والمسارعة لأداء الواجبات، ومنها حضور المساجد والجلوس فيها لانتظار الصلاة. وتضمنت هذه النصوص ما أعد الله تعالى من الفضل والتكريم لمن اتصف بهذه الصفة العالية التي تدل على رغبة صاحبها في فعل الخيرات والمسارعة لنيل القربات.
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨].
وقال تعالى عن الصفوة من عباده: ﴿يسارعون في الخيرات﴾ [الأنبياء: ٩٠].
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀-: (والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٤٧)، ومسلم (٢٥٢)، والحديث له طرق، وله ألفاظ.
(٢) أخرجه النسائي (١/ ١٠)، وأحمد (٦/ ٤٧)، وعلّقه البخاري مجزومًا به (٤/ ١٥٨ الفتح).
(٣) انظر: كتاب (زينة المرأة المسلمة)، لراقمه (ص ٩٥). ط الرابعة.
[ ٤٢ ]
بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها، وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات فهو السابق في الآخرة إلى الجنات، فالسابقون أعلى الخلق درجة، والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وجهاد ونفع متعدّ وقاصر) (١).
إن التبكير إلى المساجد وانتظار إقامة الصلاة والاشتغال بالذكر والقراءة والنوافل من أسباب المغفرة ومن أعظم الخيرات، ولقد أجمل النبي -﵁- الثواب العظيم في التبكير بقوله ﵊: "ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه " الحديث (٢)، ويأتي بتمامه إن شاء الله.
قال النووي: (التهجير: التبكير إلى الصلاة، أيّ صلاة كانت. قال الهروي وغيره: وخصه الخليل بالجمعة، والصواب المشهور: الأول) (٣).
وقال ابن أبي جمرة: (فيه دليل على أن المسابقة تكون حسًا ومعنى. فهنا تكون معنى لا حسًا، فإن المسابقة على الأقدام حسًا تقتضي الجري والسرعة. والجري هنا والسرعة ممنوعان من حديث آخر. فلم يبق هنا إلا أن تكون معنى وهي الشغل بمراقبة الوقت) (٤).
إن المبادرة إلى المساجد دليل على تعظيم الصلاة وتعلق القلب بالمسجد، وعلى قدر الطاعة عمومًا في نفس المصلي، وعلى أن الصلاة مقدمة عنده على كل شأن من شؤون حياته، وهذا -والله- عنوان الفلاح وعلامة الصلاح. قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
إن الإنسان ما دام حيًا فهو مشغول بجسمه وعقله كلّ بحسب حاله. ولكن لا شغل عند حضور الصلاة عن الصلاة لمن وفقه الله تعالى لطاعته ورزقه تعظيم شعائره، فقدم طاعة مولاه ومراده ومحبته على مراده ومحبته، فسارع إلى الخيرات ونافس في نيل القربات، وازداد يقينه بأن من تعظيم الصلاة الإتيان إلى المسجد قبل الإقامة.
ولقد كان السلف الصالح على حرص شديد على صلاتهم، يبادرون إليها مهما كان الأمر؛ لأنهم عرفوا قدرها عند خالقهم، فصار ذلك سجية لهم وخلقًا، وإليك طرفًا من أخبارهم، فنعم القدوة هم بعد نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
ذكر الإمام ابن المبارك عن عبدي بن حاتم -﵁- قال: (ما دخل وقت صلاة قط حتى اشتاق إليها) (٥).
ولم يكن -﵁- يشتاق إلى الصلاة فحسب، بل كان يستعد لها ويحضر إلى المسجد قبل الإقامة، فقد ذكر الحافظ الذهبي عنه أنه قال: (ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء) (٦).
_________________
(١) تفسير ابن سعدي (١/ ١١٢).
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٠)، ومسلم (٤٣٧).
(٣) انظر شرح مسلم للنووي (٤/ ٤٠٢)، وفتح الباري (٢/ ٩٧).
(٤) بهجة النفوس لابن أبي جمرة (١/ ٢١٤).
(٥) كتاب الزهد (ص ٤٦٠).
(٦) سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٤).
[ ٤٣ ]
وهذا الأحنف بن قيس -﵀- قيل له: إن فيك أناة شديدة! فقال: (قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها) (١).
وكان سعيد بن المسيب -﵀- يحضر المسجد قبل الأذان واستمر على ذلك مدة لا تقل عن ثلاثين سنة؛ فقد روى الإمام ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: (ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد) (٢).
ونقل ابن سعد عنه أنه قال: (ما سمعت تأذينًا في أهلي منذ ثلاثين سنة) (٣).
ولم تفته صلاة الجماعة طيلة أربعين سنة، فقد روى ابن سعد -أيضًا- عنه أنه قال: ما فاتته صلاة الجماعة منذ أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم (٤).
وكان الأعمش رغم كبر سنه يحرص على التكبيرة الأولى. فقد قال وكيع: (اختلفت إليه قريبًا من سنتين ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى) (٥).
وكان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له: (الصفّي)؛ لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة (٦).
وهذا إبراهيم بن ميمون المروزي أحد الدعاة المحدثين الثقات من أصحاب عطاء بن أبي رباح، وكانت مهنته الصياغة وطرق الذهب والفضة. قالوا: (كان فقيهًا فاضلًا من الأمّارين بالمعروف). قال ابن معين: (كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردّها) (٧).
قال قاضي الشام سليمان بن حمزة المقدسي، وهو من ذرية ابن قدامة صاحب كتاب "المغني": (لم أصلّ الفريضة قط منفردًا إلا مرتين، وكأني لم أصلهما قط) مع أنه قارب التسعين (٨).