إذا دخل المسجد رجل مسافر، والناس يصلون صلى معهم، ولزمه الإتمام ومتابعة الإمام؛ وذلك لما ورد عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا على رحالنا صلينا ركعتين، قال: تلك سنة أبي القاسم (٦).
وعنه -أيضًا- قال: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم -ﷺ- (٧).
وعن الشعبي: أن ابن عمر -﵄- كان إذا صلى بمكة يصلي ركعتين، إلا أن يجمعه إمام فيصلي بصلاته (٨).
وعن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعًا، فإذا صلّى لنفسه صلّى ركعتين (٩).
فهذه النصوص تفيد أن المسافر إذا صلى خلف مقيم لزمه الإتمام؛ لوجوب متابعة الإمام وترك
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٨٥، ٣٨٦).
(٢) حاشية السندي على النسائي (٣/ ١٧٨).
(٣) انظر: المغني (٣/ ٦٨).
(٤) فتاوى ابن باز (١٢/ ١٨٢، ١٩١).
(٥) انظر: المغني (٣/ ٦٩).
(٦) رواه أحمد (١/ ٢١٦)، وقال في إرواء الغليل (٣/ ٢١): سنده صحيح.
(٧) رواه مسلم (٥/ ٢٠٤).
(٨) أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٧٤).
(٩) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٤٩)، وهو في صحيح مسلم في آخر حديث إتمام عثمان -﵁- الصلاة بمنى، وفيه بيان أن المراد بالإمام: عثمان ﵁؛ لأنه أتم الصلاة بمنى (٥/ ٢١٠).
[ ١١٧ ]
الخلاف له وإن اعتقد المأموم أن القصر أفضل، لأن فضيلة الجماعة آكد، يؤيد ذلك عموم قوله -ﷺ-: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" (١).
لكن إذا دخل المسافر المسجد وقد صلّى الإمام ركعتين من الظهر -مثلًا- فهل تجزئه الركعتان الباقيتان باعتبار أنها صلاته لو كان منفردًا أم يلزمه الإتمام؟
الجواب: يلزمه الإتمام؛ لما ورد عن أبي مِجْلَز -واسمه: لاحق بن حميد- قال: قلت لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم -يعني: المقيمين- أتجزئه الركعتان أو يصلي بصلاتهم؟ قال: فضحك، وقال: يصلي بصلاتهم (٢).
وعلى هذا فإذا أدرك المسافر مع المقيم ركعة فأكثر أتم الصلاة؛ لأنه أدرك الجماعة، واقتدى بمقيم في جزء من صلاته، فلزمه الإتمام.
أما لو صلى مسافر خلف إمام يصلي التراويح فهل تجزئه الركعتان؟ هذا مبين على مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل.
والأظهر الجواز، لدخوله في عموم "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليم"، وهذا صلى ركعتين كإمامه، فلم يختلف عليه، وأما الاختلاف المنهي عنه فهو الاختلاف في الأفعال الظاهرة، بدليل تفسيره -ﷺ- بعد ذلك بالأفعال الظاهرة، كما في بقية الحديث، والله أعلم (٣).
لكن إذا أدرك المسافر أقل من ركعة كأن يدرك إمامه في التشهد فهل يتم أو يقصر؟ هذا مبني على الخلاف فيما تدرك به الجماعة؛ فمن قال: تدرك بركعة، قال: له أن يقصر؛ لأن الجماعة فاتته، فهو كمن صلى منفردًا. نص على ذلك الإمام أحمد -﵀-، وبه قال مالك وجماعة من السلف: أن من أدرك أقل من ركعة فإنه يقصر، ومن قال: تدرك الجماعة بإدراك التشهد قال: يتم هذا المسافر صلاته؛ لأنه أدرك الجماعة (٤).
والقول بأن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة هو المختار في هذه المسألة، -كما تقدم- وذلك لأن المأموم لم يدرك مع الإمام شيئًا يحتسب له به؛ لأن ما دون الركعة لا يعتد به في الصلاة، لكونه يستقبل جميع صلاته منفردًا، والله أعلم (٥).