ومن آداب دخول المساجد السلام على من فيه ولو كان يصلي، فإن السلام على المصلي مشروع، كما هو مذهب الجمهور من أهل العلم، وذلك لما ورد عن ابن مسعود -﵁- قال: كنت أسلم على النبي -ﷺ- وهو في الصلاة فيرد عليّ فلما رجعنا سلمت عليه فلم يردّ علي، وقال: "إن في الصلاة شغلًا" (٢).
وعنه -﵁- قال: كنت آتي النبي -ﷺ- وهو يصلي فأسلم عليه فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي فلم يردّ عليّ، فلما سلم أشار إلى القوم فقال: "إن الله ﷿يعني- أحدث في الصلاة ألا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين" (٣).
فهنا وما قبله دليل على جواز السلام على المصلي، فإن ابن مسعود -﵁- كان يسلم على النبي -ﷺ- وهو في صلاته، فيرد ﵇ باللفظ، ولما حرّم الكلام في الصلاة، ورجع المسلمون من الهجرة الثانية إلى الحبشة سلم ابن مسعود -﵁- كعادته فلم يرد عليه النبي -ﷺ- باللفظ، وإنما رد بالإشارة كما في حديث ابن عمر الآتي قريبًا، وبين أن سبب امتناع الرد باللفظ هو أن المصلي مشغول شغلًا عظيمًا متنوعًا من ذكر وقراءة ودعاء وغير ذلك مما يتعلق بمناجاة الله تعالى التي تستدعي الاستغراق بخدمته، فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره، ولو كان السلام على المصلي غير مشروع لبيّنه -ﷺ- ولو بعدم الإشارة في الرد؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما ثبت الرد بالإشارة وعدم الإنكار علم أن السلام على المصلي مشروع.
وثبت الرد عنه -ﷺ- بإشارة، وذلك فيما رواه ابن عمر -﵄- قال: خرج رسول الله -ﷺ- إلى قباء يصلي فيه، فجاءته الأنصار، فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله -ﷺ- يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عوف كله، وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره فوق (٤).
وورد في السنة صفات أخرى لرد المصلي السلام، ومنها:
الرد بالإشارة بالأصبع، والأظهر أنها السبابة؛ لأنها أيسر؛ ولأن العادة جرت برفعها، وذلك في حديث ابن عمر -أيضًا- عن صهيب قال: مررت برسول الله -ﷺ- وهو يصلي فسلمت عليه فردّ علي إشارة، وقال الليث بن سعد -أحد رواته-: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بإصبعه (٥).
قال الشوكاني: (ولا اختلاف بينهما، فيجوز أن يكون أشار بإصبعه مرة ومرة بجميع يده، ويحتمل
_________________
(١) الرد على الأخنائي المطبوع بهامش "تلخيص كتاب الاستغاثة" ص (١٩٦ - ١٩٨).
(٢) أخرجه البخاري (١١٤١، ١١٥٨)، ومسلم (٥٣٨)، وأبو داود (٣/ ١٩١).
(٣) أخرجه أبو داود (٣/ ١٩٣)، والنسائي (٣/ ١٩)، واللفظ له، وأصله الصحيحين.
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ١٩٥)، والترمذي (٢/ ٢٠٤)، وابن ماجه (١/ ٣٢٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) أخرجه أبو داود (٣/ ١٩٤)، والترمذي (٢/ ٣٦٣)، والنسائي (٣/ ٥)، وحسنه الترمذي.
[ ٦٨ ]
أن يكون المراد باليد الإصبع؛ حملًا للمطلق على المقيد) (١).
كما ورد الرد إيماء بالرأس، وذلك في حديث ابن مسعود: (فأومأ برأسه)، وفي رواية: (فقال برأسه، يعني: الرد) (٢).
قال في نيل الأوطار: (ويجمع بين الروايات أنه -ﷺ- فعل هذا مرة وهذا مرة فيكون جميع ذلك جائزًا) (٣) والله أعلم.