عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٢).
وعنه -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا ثوّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" (٣).
وعنه أيضًا -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا ثوّب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم، ولكن ليمش، وعليه السكينة والوقار، فصلّ ما أدركت، واقض ما سبقك" (٤).
إن هذه النصوص تبين أدب الحضور لأداء الصلاة، وأن المصلي يمشي إليها بسكينة ووقار، والسكينة هي: التأني في الحركات واجتناب العبث، والوقار: غض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.
ولا ريب أن المسلم إذا حضر المسجد بهذه الصفة فقد حاز على ثلاثة أمور:
الأول: الراحة والطمأنينة؛ لأنه إذا أسرع ودخل الصلاة على هذه الحال فإنه يثور نفسه، فلا يحصل له تمام الخشوع في القراءة وغيرها، وهذا ملاحظ، بخلاف ما إذا دخلها وهو ساكن مرتاح فإنه إلى الخشوع والخضوع أقرب.
الثاني: امتثال قوله -ﷺ-: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة". أي: أنه في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه.
الثالث: كثرة الخطا إلى المسجد، وهذا لا يتأتى مع السرعة. وهو معنى مقصود لذاته وردت فيه
_________________
(١) راجع كتاب (الصلاة والرياضة البدنية)، تأليف: عدنان الطرشة (ص ٨٢)، وما بعدها، وكتاب (في الصلاة صحة ووقاية)، للدكتور: فارس علوان (ص ١٥٩ - ٢٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٠)، ومسلم (٦٠٣)، واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه مسلم (١٥١، ٦٠٢).
(٤) أخرجه مسلم (١٥٤، ٦٠٢).
[ ٥٤ ]
أحاديث، كقوله -ﷺ-: "إن لكم بكل خطوة درجة" (١).
وعن سعيد بن المسيّب قال: حضر رجلًا من الأنصار الموت فقال: إني محدثكم حديثًا ما أحدثكموه إلا احتسابًا؛ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله ﷿ له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله ﷿ عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد. فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضًا وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة، كان كذلك" (٢). فعلى المصلي أن يخرج إلى صلاته بسكينة ووقار، وأن يجتنب العبث في طريقه إلى المسجد، فلا يتكلم بكلام قبيح؛ لأنه في هذا الموضع أقبح. ولا ينظر على ما لا يحل له، ولا يتعاطى ما يكره، فكل ذلك يتعين اجتنابه، وهو في هذا الموضع أهم.
واعلم أن هذه الأحاديث التي فيها الأمر بالمشي إلى الصلاة والنهي عن الإسراع عامة في جميع الأحوال، لا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام، أو فوات ركعة، أو فوات الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئًا من ذلك. كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، وهذا هو الصواب إن شاء الله؛ لأن النصوص عامة لم تستثن حالة واحدة، ولا يجوز لأحد أن يخصص نصًا إلا بدليل، بل قد ورد ما يدل على العموم، وهو ما جاء عن قتادة عن أبيه قال: بينما نحن جلوس مع النبي -ﷺ- إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال: "ما شأنكم"؛ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: "فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣).
فهذا حديث عام غير مخصّص بسماع الإقامة، وهو دال على العموم في جميع الأحوال، وفي جميع الصلوات، كما تقدم.
وأما ما ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسرعون إذا سمعوا الإقامة فلعله محمول على أنه لم يبلغهم النهي، ومن لم يبلغه النص لم يكلف أن يكون عالمًا بموجبه.
إن أكثر الداخلين إلى المساجد يخلّون بهذا الأدب فتراهم إذا ركع الإمام يسرعون فيشوشون على أنفسهم، بالعجلة وعدم التأني، وعلى غيرهم من المصلين بأصوات أحذيتهم وحركات أرجلهم، وإعلامهم الإمام بدخولهم لينتظرهم، وهذا مخالف للهدي النبوي: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، ولا يعد المشي بهدوء استهانة بالصلاة كما يفهمه بعض الناس، بل هذا عين الاهتمام بالصلاة، فإن الإنسان في صلاة منذ خروجه من منزله للصلاة.
فإن قال قائل: وما معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: ٩] مع حديث: "فلا تأتوها وأنتم تسعون"؟
فالجواب -والله أعلم- أن المراد بالسعي في الحديث: الإسراع والعدو، بدليل مقابلة السعي بالمشي
_________________
(١) أخرجه مسلم بتمامه (٦٦٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٦٣)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١/ ١١٢)، وانظر: تحفة الأشراف (١١/ ١٥٧).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٩)، ومسلم (٦٠٣)، وانظر القواعد النورانية لابن تيمية (ص ٤٩)، ففيها بيان أن الأمر بالسكينة في المشي إلى الصلاة يقتضي وجوب السكينة في الصلاة. وهذه من الفوائد.
[ ٥٥ ]
في قوله: "وأتوها وأنتم تمشون"، فيكون الحديث نهيًا عن الإسراع.
وأما السعي في الآية الكريمة فهو: المضيّ والذهاب. يقال: سعيت في كذا أو إلى كذا: إذا ذهبت إليه وعملت فيه. قال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في كتاب الجمعة: (باب المشي إلى الجمعة. وقول الله جل ذكره: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ومن قال: السعي: العمل والذهاب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] ثم ذكر حديث أبي هريرة -﵁-: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون" وتقدم بلفظ آخر، وإيراد البخاري حديث أبي هريرة -﵁- في هذا الباب بعد الآية يشعر بأنه يرى أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، كما ذكره الحافظ في الفتح (١). وعلى هذا يكون المراد بالسعي في الآية -والله أعلم- هو المضي إلى الجمعة والذهاب إليها، مع الجد والمبادرة ومراعاة ما جاء في السنة من السكينة والوقار).
قال الراغب الأصفهاني: (السعي: المشي السريع. وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿وَسَعَى فِى خَرَابها﴾ [البقرة: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة ..) (٢). ولا يعارض ما قررناه لك ما ورد في حديث أبي بكرة -﵁- في شأن الكسوف قال: (خسفت الشمس ونحن عند النبي -ﷺ- فقام يجرّ ثوبه مستعجلًا حتى أتى المسجد)، فإن سبب ذلك فزعه -ﷺ-، كما دل عليه حديث أبي موسى -﵁- قال:
(خسفت الشمس فقام النبي -ﷺ- فزعًا يخشى أن تكون الساعة ) (٣).
فتكون هذه السرعة لصلاة الكسوف من الأحوال العارضة؛ لوجود المقتضي لها وهو الفزع، والله أعلم.