للذكر بعد الصلاة شأن عظيم، حث عليه النبي -ﷺ-، وركب فيه قولًا وفعلًا، وقد دل على ذلك مجمل قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] قال ابن عباس -﵄- (أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها) (٢).
ولذا قال الإمام النووي -﵀-: (أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعددة) (٣). والذكر بعد الصلاة من المواضع التي يتأكد فيها الذكر (٤). فينبغي للمسلم أن يتعلم هذه الأذكار، وأن يحرص على الإتيان بها في مواضعها، وألا تأخذه العجلة، فيتركها، فيفوته خير كثير، كما عليه كثير من الناس اليوم. وسأذكر شيئًا من هذه الأذكار بسياق أحاديثها؛ ليكون المسلم على بصيرة من ذلك -إن شاء الله تعالى- وليحرص على التقيد بالألفاظ الواردة عنه -ﷺ-؛ لأن ذلك أكمل في التعبد.
روى ثوبان -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام"، وفي رواية لحديث عائشة -﵂-: "يا ذا الجلال والإكرام"، قيل للأوزاعي -وهو أحد رواة حديث ثوبان-: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: استغفر الله، استغفر الله" (٥).
وأما زيادة لفظ (وتعاليت) بعد لفظ تباركت فهي وإن كانت من ألفاظ الثناء على الله تعالى ووردت في أحاديث أخرى، إلا أنه لا أصل لها في هذا الموضع. والله أعلم.
وعن المغيرة بن شعبة -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٦).
وفى رواية سندها صحيح: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، ثلاث مرات (٧). وعن أبي الزبير قال: كان ابن الزبير -﵁- يقول في دبر كل صلاة حين يسلم:
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٣٩)، فتاوى العز بن عبد السلام ص (٤٦، ٤٧)، ورسالة: "تمام الكلام في بدعية المصافحة بعد السلام".
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٥٢).
(٣) الأذكار ص (٦٦).
(٤) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (٤٢١).
(٥) أخرجه مسلم (٥٩١)، وحديث عائشة -﵂- (٥٩٢).
(٦) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).
(٧) هذه الزيادة عند أحمد (٣٠/ ١٢٧)، والنسائي (٣/ ٧١)، وابن خزيمة (١/ ٣٦٥)، وانظر: فتح الباري (٢/ ٣٣٣)، =
[ ١٠٥ ]
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". وقال: كان رسول الله -ﷺ- يهلل بهن دبر كل صلاة (١).
فإن كان بعد صلاة المغرب أو الفجر هلّل عشر مرات، لحديث أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "من قال دبر صلاة الفجر، وهو ثاني رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله" (٢). وعن معاذ بن جبل -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- أخذ بيده وقال: "يا معاذ والله إني لأحبك". فقال يا معاذ لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٣).
وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هولاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله -ﷺ- كان يتعوذ بهن دبر الصلاة. "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من عذاب القبر" (٤). وقد ورد في "الصحيحين" وغيرهما أدعية أخرى. ثم يبدأ المصلي بالتسبيح، وقد ورد في السنة صفات متعددة ومن ذلك:
الصفة الأولى: أن يسبح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويكبر ثلاثًا وثلاثين، ويقول تمام المائة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".
ودليل ذلك حديث أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ غفرت له خطاياه وإن كانت مثل
_________________
(١) = والسسلة الصحيحة للألباني (١٩٦).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٤).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٧٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٢٧)، وهنا لفظ الترمذي، إلا قوله: "بيده الخير" فللنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. ونقله النووي عنه في الأذكار ص (٧٠)، وأقرّه، والحديث رجاله كلهم ثقات، إلا شهر بن حوشب فقد قال عنه الحافظ في التقريب: "صدوق كثير الإرسال والأوهام" ونقل الحافظ في تهذيبه (٤/ ٣٢٥)، عن الترمذي عن البخاري أنه قال: شهر حسن الحديث. وقوّى أمره. وذكر ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٢١)، بأنه قد وثقه قوم وضعفه آخرون، ثم قال: ولم أسمع لمضعفيه حجة .. ثم إن الحديث ورد من عدة طرق عن عدد من الصحابة يدل على أنه حفظه.
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي (٣/ ٤٥)، والحاكم (١/ ٢٧٣)، وهو حديث صحيح كما قال النووي في الأذكار ص (٦٩)، والحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٢٩٧)، وله شواهد تؤيده فانظر (صحيح كتاب الأذكار وضعيفه)، للهلالي (١/ ٢٠٦).
(٥) أخرجه البخاري (٢٨٢٢)، وهنا على أن المراد بدبر الصلاة: ما بعد السلام، والقول الثاني: أن دبر الصلاة ما قبل السلام. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، كما نقله عنه ابن القيم في (زاد المعاد)، (١/ ٣٠٥)، وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ٥١٨)، وقال ﵀: (المناجاة والدعاء حين الإقبال والتوجه إليه في الصلاة، أما حال الانصراف من ذلك فالثناء والذكر أولى)، وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم كما في الزاد (١/ ٢٥٧). وانظر فتاوى ابن باز (١١/ ١٩٤ - ١٩٧).
[ ١٠٦ ]
زبد البحر" (١).
الصفة الثانية: ما ورد في حديث كعب بن عجرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: "معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة" (٢) ومعنى "معقبات": أي: تفعل مرة بعد أخرى في أعقاب الصلاة.
الصفة الثالثة: ما ورد في حديث عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله دبر كل صلاة عشرًا، ويحمده عشرًا، ويكبره عشرًا"، قال: فأنا رأيت رسول الله -ﷺ- يعقدها بيده قال: "فتلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمس مائة في الميزان " الحديث (٣).
الصفة الرابعة: أن يسبح خمسًا وعشرين، ويحمد خمسًا وعشرين، ويهلل خمسًا وعشرين، ودليل ذلك حديث زيد بن ثابت -﵁- قال: أمروا أن يسبحوا دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين، ويكبروا أربعًا وثلاثين، فأتي رجل من الأنصار في منامه، فقيل له: أمركم رسول الله -ﷺ- أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوا ثلاثًا وثلاثين، وتكبروا أربعًا وثلاثين؟ قال: نعم. قال: فاجعلوا خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي -ﷺ- فذكر ذلك له، فقال: "اجعلوها كذلك" (٤).
والأفضل أن يأتي المصلي بهذه الصفة تارة، وبهذه تارة أخرى، لما تقدم في العبادات الواردة على صفات متعددة.
والأفضل أن يكون عد التسبيح بالأنامل -وهي الأصابع- لدلالة السنة على ذلك -كما سيأتي إن شاء الله- وقد درج على ذلك الصحابة -﵃- ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا -ولله الحمد- وهو أولى من استعمال السبحة ونحوها، فإنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وأدعى إلى حضور القلب. وللمصلي أن يعقد التسبيح بكلتا يديه؛ لما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو -﵄- قال: (فأنا رأيت رسول الله -ﷺ- يعقدها بيده) ولفظ، "اليد" للجنس، فيراد به: اليدان، وفى بعض ألفاظ الحديث: (ولقد رأيت رسول الله -ﷺ- يعقدها هكذا) وعدّ بأصابعه (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٩٧).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٢٩)، بلفظ آخر من طريق سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، وأخرجه بهذا اللفظ أبو داود.
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ١٨٤، ١٩٠)، والنسائي (٣/ ٧٦)، والحاكم (١/ ٢٥٣)، وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث ابن عمر عند النسائي (٣/ ٧٦). وسنده حسن.
(٥) ورد عند أبي داود (١٥٠٢)، من طريق محمد بن قدامة، حدثنا عثام عن الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه به، بلفظ: "بيمينه" وهي لفظة تفرد بها محمد بن قدامة -شيخ أبي داود- مخالفًا بذلك بقية الرواة الآخذين عن عثام الذين رووا الحديث بمثل لفظ الجماعة -أقران الأعمش- أمثال: شعبة وسفيان الثوري وإسماعيل بن علية، وغيرهم ممن هم جبال في الحفظ والإتقان، وكلهم لا يذكرون لفظة "بيمينه"، وعليه فهي شاذة غير محفوظة؛ لأن قاعدة المحدثين أنه إذا اتحد مخرج الحديث امتنع الحمل على التعدد، وهذا الحديث متحد المخرج -كما تقدم- ومثل هذه الزيادة لا تقبل إذا خالف الراوي من هم أكثر منه عددًا، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، وكلا الأمرين موجود هنا، ولو كانت هذه اللفظة محفوظة لما غفل عنها الجمهور من رواة الحديث، يقول شيخ المفسرين الحافظ محمد بن جرير الطبري -﵀-: (والحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم، كانت الجماعة الأثبات أحق بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم). انظر: رسالة: "لا جديد في أحكام =
[ ١٠٧ ]
وعن يسيرة -وكانت من المهاجرات- قالت: قال لنا رسول الله -ﷺ-: "يا نساء المسلمات، عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسؤولات مستنطقات" (١).
ويسن رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة؛ لما ورد عن عمرو بن دينار أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس -﵄- أخبره: أن رفع الصوت بالذكر -حين ينصرف الناس من المكتوبة- كان على عهد النبي -ﷺ-. وعنه قال: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي -ﷺ- بالتكبير (٢).
والأصل أن كل إنسان يذكر الله تعالى بمفرده، وأما الذكر الجماعي على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة فهذا وصف يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة؛ لأنه وصف يتعلق بعبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الإحداث والاختراع (٣).
وبعد الذكر يقرأ آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ إلى: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] لحديث أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" (٤)، ثم يقرأ سورة الإخلاص ﴿قُل هُوَ اللهُ أحدٌ﴾ (٥) والمعوذتين ﴿قُل أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، لما ورد عن عقبة بن عامر -﵁- قال: أمرني رسول الله -ﷺ- أن أقرأ بالمعوّذات دبر كل صلاة (٦).