المساجد بيوت الله تعالى، بنيت لذكره ودعائه وعبادته، لا للتكسب وجمع حطام الدنيا، ولذا منع البيع والشراء، ونشد الضالة، وسائر الصناعات في المساجد؛ لهذا المعنى.
وبناء على ذلك فالمساجد لا تصلح مكانًا للسؤال، وجمع المال، مع ما في ذلك من إيذاء المصلين
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٢٨٤).
(٢) فتح الباري (٢/ ٢٨٧).
(٣) المصدر السابق.
(٤) المسجد في الإسلام (ص ٨٣).
(٥) أخرجه مسلم (٦٧٠).
(٦) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٦٤٦)، والمفهم (٢/ ٢٩٥)، هذا وأما حديث: "الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" فلا أصل له. كما قال العراقي في تخريج أحاديث "الإحياء" (١/ ١٥٢) وكذا قال غيره من أئمة الحديث.
[ ١٢٨ ]
والذاكرين والتشويش عليهم.
وقد وردت النصوص بجواز إعطاء الفقير من غير مسألة، وذلك بأن يعرف فقره وحاجته، فيعطى زكاة أو صدقة ونحو ذلك، أو تقسم أموال في المسجد، فيعطى مع الناس، فله أن يأخذ ما يأتيه.
ويدل لذلك ما ورد عن أنس -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- أتي بمال من البحرين، فقال: "أنثروه في المسجد" وكان أكثر مال أتي به رسول الله -ﷺ-، فخرج رسول الله -ﷺ- إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله، أعطي، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا، فقال له رسول الله -ﷺ-: "خذ"، فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، اؤمر بعضهم يرفعه إليّ، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: "لا" فنثر منه ثم احتمله، فألقاه على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله -ﷺ- يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبًا من حرصه فما قام رسول الله -ﷺ- وثمّ منها درهم (١).
وقد بوب البخاري -﵀- على هذا الحديث بقوله: (باب القسمة وتعليق القنو في المسجد).
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: (المقصود بهذا الباب: أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء وخمس الغنيمة وأموال الصدقة ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها) وقال: (وفى الحديث جواز قسمة مال الفيء في المسجد ووضعه فيه، وهو مقصود البخاري بتخريج هذا الحديث فيه) (٢).
أما إذا سأل الفقير في المسجد فإن من أهل العلم من منع السؤال والإعطاء مطلقًا، ولعل القائلين بذلك نظروا على العمومات الدالة على صيانة المسجد من كل ما سوى العبادات، وأقرب شيء تقاس المسألة عليه قياسًا جليًا نشد الضالة، والجامع بينهما: البحث والمطالبة بأمر مادي دنيوي، والعلة في المقيس أظهر؛ لأن ناشد الضالة يبحث عن ماله دون شبهة، ومع ذلك أمر الشارع بالدعاء عليه بألا ترد عليه، أما السائل فهو لا يطلب ماله، بل يطلب أموال الناس.
ومن أهل العلم من رخّص إذا كان السائل مضطرًا، ولم يحصل بسؤاله في المسجد ضرر، من إيذاء المصلين والتشويش عليهم، أو المرور بين أيديهم ونحو ذلك (٣).
واستدلوا على ذلك بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينًا"؟!! فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز بيد عبد الرحمن فأخذتها منه، فدفعتها إليه (٤).
قالوا: فهذا دليل على أن الصدقة على الفقير في المسجد ليست مكروهة، وأن السؤال في المسجد جائز؛ لأنه -ﷺ- أقرّ أبا بكر -﵁- عليها، ولو كانت حرامًا لم يقرّ عليها، بل كان يمنع السائل من العود إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٥١٦ فتح).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٥٤).
(٣) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٥٧) الحاوي (١/ ٩٠) أحكام المساجد في الإسلام ص (٢٦٩).
(٤) أخرجه أبو داود (١٦٧٠) والحاكم (١/ ٤١٢) وعنه البيهقي (٤/ ١٩٩) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال النووى في "شرح المهذب" (١/ ١٧٦) رواه أبو داود بإسناد جيد وتعقبه الألباني في "الضعيفة" (١٤٥٨) وحكم على الحديث بأنه منكر؛ لأنه من رواية مبارك بن فضالة.
[ ١٢٩ ]
السؤال في المسجد (١).
ولكن هذا الحديث ضعيف، وعلى هذا فالقول بالمنع وجيه جدًا؛ تأكيدًا لحرمة المسجد، وردعًا لذوي النفوس الضعيفة عن اتخاذهم المسجد مكانًا للتكسب، ولا سيما في زماننا هذا؛ فإن الكذب في هذا الزمان كثير، والحيل متعددة.
فإن جلس السائل في زاوية المسجد، أو عند بابه فلا بأس بإعطائه، أما من يشوش على المصلين، ويقطع عليهم تلاوتهم وذكرهم، أو يمر بين أيديهم وهم يصلون، ويلح عليهم بإعطائه فالقول بمنعه وزجره وجيه جدًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد، ولم يؤذ أحدًا بتخطيه رقاب الناس ولا غير تخطيه، ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله، ولم يجهر جهرًا يضر بالناس، مثل أن يسأل والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علمًا يشغلهم به ونحو ذلك جاز، والله أعلم) (٢).