من آداب حضور المساجد: التقدم للصف الأول، والقرب من الإمام، كما دلت على ذلك النصوص؛ لما في الصف الأول من الفضل العظيم.
فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" (٣). والتهجير: التبكير إلى الصلاة، والمبادرة إليها (٤).
وعنه أيضًا -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "لو تعلمون، أو يعلمون، ما في الصف المقدم لكانت قرعة".
وفي رواية: "ما كانت إلا قرعة" (٥).
وعن أبيّ بن كعب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه" (٦).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: "تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله" (٧).
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على فضل الصف الأول، وأنه ينبغي الحرص عليه بالتبكير إلى الصلاة،
_________________
(١) = محمد بن بشار، وفيه: (اللهم اعصمني)، بدل (أجرني)، وهذا الحديث إسناده حسن لشواهده.
(٢) الفتوحات الربانية لابن علان (٢/ ٤٢).
(٣) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٣)، وابن السني (١٠٦)، والحاكم (١/ ٢٠٧)، قال الحافظ: إسناده حسن.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) انظر: فتح الباري (٢/ ٩٧)، والنهاية لابن الأثير (٥/ ٢٤٦).
(٦) أخرجه مسلم (٤٣٩).
(٧) أخرجه أبو داود (٥٤٤)، وإسناده حسن كما قال الألباني.
(٨) أخرجه مسلم (٤٣٨)، وأبو داود (٦٨٠)، والنسائي (٢/ ٨٣).
[ ٦٥ ]
حتى أنه لو أدى الأمر إلى القرعة لكانت مشروعة فيه.
والمراد بالصف الأول: هو ما يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا أو متأخرًا، وإن كان المتقدم حاز فضيلة التبكير فجمع بين الفضيلتين.
وفي الصف الأول مزايا عظيمة ينبغي للمسلم أن يهتم بها ويحرص على الظفر بها. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري طرفًا منها. فمن ذلك: المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين (١). ومن الناس من لا يهتم بالصف الأول مع إمكان الصلاة والجلوس فيه، فتراه يدخل المسجد مبكرًا ويقف متنفلًا وسط المسجد، أو في مؤخره، أو يقف في طرف الصف الأول مع خلوه من جهة الإمام، وهذا رغبة عن الخير، وزهد فيه، مبعثه الجهل أو عدم المبالاة باكتساب الفضائل، فالله المستعان.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (فمن جاء أول الناس وصف في غير الأول فقد خالف الشريعة، وإذا ضم إلى ذلك إساءة الصلاة أو فضول الكلام أو مكروهه أو محرمه ونحو ذلك مما يصان المسجد عنه، فقد ترك تعظيم الشرائع، وخرج عن الحدود المشروعة من طاعة الله، وإن لم يعتقد نقص ما فعله ويلتزم اتباع أمر الله استحق العقوبة البليغة التي تحمله وأمثاله على أداء ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، والله أعلم) (٢). وينبغي لطلبة العلم أن يتقدموا إلى الصف الأول؛ لأنهم داخلون في قوله -ﷺ-: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .. " (٣). قال النووى: (وفي هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها، وينقلوها ويعلموها الناس، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم ..) (٤).
وقال في الإنصاف: (السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والسن، وأن يلي الإمام أكملهم وأفضلهم، قال الإمام أحمد: يلي الإمام الشيوخ وأهل القرآن ويؤخر الصبيان) (٥). وهذا الحكم -وهو الحث على الصف الأول والدنو من الإمام- خاص بالرجال، أما النساء إذا حضرن المساجد فيتعين في حقهن التأخر والبعد عن الإمام وعن صفوف الرجال، كما سيأتي بيانه في الباب الثالث، إن شاء الله تعالى، والله أعلم.