ثبت عنه -ﷺ- أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١). وقد بين النبي -ﷺ- صفة الصلاة بالقول والفعل. وحريّ بالمكلف أن يتأسى بنبيه -ﷺ- في صفة صلاته، فإن ذلك أقوى في إيمانه، وأدلّ على اتباعه لرسول الله -ﷺ-، وأكمل في عبادته. وكثير من الناس يخلّون في الصلاة بأشياء، إما جهلًا وإما تهاونًا، وسأذكر -بعون الله- صفة الصلاة كما ثبت في السنة، مجرد عن الدليل خشية الإطالة، مع عزو كل صفة إلى مصدرها من مصادر السنة، فأقول:
يسن القيام إلى الصلاة عند قول المؤذن: "قد قامت الصلاة"، وإن قام عند رؤية الإمام، أو عند أول الإقامة فلا بأس؛ لأن في الأمر سعة (٢).
ثم يكبر تكبيرة الإحرام قائلًا: "الله أكبر"، لا يجزئ عنها غيرها (٣)، رافعًا يديه إلى منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، مبسوطتين، مضمومتي الأصابع مستقبلًا ببطونهما القبلة (٤).
وما يفعله بعض الناس من الرفع إلى سرته، أو فوفها بقليل فهو قصور في تطبيق السنة.
وهذا الرفع مشروع في حق المرأة أيضًا؛ لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال يثبت في حق النساء، وكذا العكس، إلا ما دل الدليل على استثنائه (٥).
فإن وجد مانع من الرفع رفع حسب استطاعته، فإن كان لا يستطع رفعهما معًا، رفع واحدة. والأفضل أن يبدأ التكبير مع رفع يديه، وينهيه مع انتهاء الرفع؛ لأن الرفع للتكبير، وله أن يقدم الرفع قبل التكبير، أو يقدم التكبير قبل الرفع (٦). فإذا فرغ من تكبيرة الإحرام سن له أن يقبض كوع يسراه بيمينه (٧) أو يضع يده اليمنى على ذراع اليد اليسرى، ثم يضعهما على صدره (٨)، وهو دليل الخشوع والذل والانكسار بين يدي رب العالمين (٩).
والسنة أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده؛ لأنه أخشع للقلب، وأكف للبصر، وأبلغ في الخضوع، ولا فرق في ذلك بين المسجد الحرام وغيره؛ لعدم المخصص (١٠).
ولم يرد في المسافة بين القدمين حال القيام سنة عن الرسول -ﷺ-، فتكون المسافة بحسب طبيعة الإنسان حال وقوفه؛ لأن كل شيء لم يرد به صفة شرعية فإنه يبقى على طبيعته (١١).
ثم يستفتح وهو سنة، فيقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله
_________________
(١) انفرد بها البخاري (٦٣١)، عن بقية أصحاب الكتب الستة.
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٥/ ١٠٥)، بدائع الفوائد (٣/ ٨٠).
(٣) زاد المعاد (١/ ٢٠١).
(٤) البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠، ٣٩١)، وانظر: زاد المعاد (١/ ٢٠٢).
(٥) المغني (٢/ ٢٥٨)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٣/ ٧٣، ٧٤).
(٦) انظر: نيل الأوطار (٢/ ١٧٩).
(٧) أبو داود (٧٢٣)، النسائي (٢/ ٩٧). وإسناده صحيح. وانظر: التلخيص (١/ ٢٣٨).
(٨) البخاري (٧٤٠)، ابن خزيمة (٤٧٩)، البيهقي (٢/ ٣٠)، وانظر: الشرح الممتع (٣/ ٤٦).
(٩) انظر: الخشوع في الصلاة، لابن رجب ص (٣٥، ٣٦).
(١٠) الشرح الممتع (٣/ ٥١).
(١١) انظر: الإنصاف (٢/ ٦٩).
[ ٩٩ ]
غيرك" (١)، أو يقول: (اللهم باعد يني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" (٢)، أو غير ذلك إحياء للسنة، وهو أحضر للقلب، وأدعى لفهم ما يقول (٣).
ثٍم يستعيذ للقراءة، والاستعاذة سنة؛ ثم يبسمل، وهي سنة أيضًا، ثم يقرأ الفاتحة سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، وسواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، فيقرأ المأموم الفاتحة ولو في أثناء جهر الإمام بالقراءة (٤)؛ لأن الفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا بها، إلا المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة، وتسقط عنه الفاتحة -كما تقدم-.
ويجب أن تكون قراءة الفاتحة في حال القيام، فإن قرأ شيئًا منها قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية بلا عذر لم تصح" (٥).
ولا بد أن يقرأ الفاتحة تامة متوالية، مع تشديداتها، فإن أسقط منها حرفًا أو لحن فيها لحنًا يغير المعنى لم تصح، وإذا انتهى من قراءتها قال: آمين. والسنة أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام -كما تقدم أيضًا-، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، وإن كان مأمومًا قرأ بقدر إطالة الصلاة -كالظهر مثلًا-؛ لأن الصلاة ليس فيها سكوت إلا فبحال جهر الإمام.
ثم يسكت بعد قراءته سكتة لطيفة، ثم يركع رافعًا يديه -كما تقدم-، والمجزئ من الركوع هو الانحناء بحيث يمكنه مسّ ركبتيه بيديه (٦).
والركوع الموافق للسنة ما اجتمع فيه أربع صفات:
الأولى: أن يمد ظهره ويبسطه فلا يقوسه ولا يهصره بحيث ينزل وسطه.
الثانية: أن يجعل رأسه حيال ظهره، فلا يرفعه ولا يخفضه (٧).
الثالثة: أن يضع كفيه على ركبتيه، مفرّجتي الأصابع، قابضًا بهما على ركبتيه.
الرابعة: أن يجافي مرفقيه عن جنبه ما لم يؤذ أحدًا، وإلا ترك ذلك (٨)، ثم يقول: سبحان ربي العظيم (٩). والواجب مرة واحدة، والأفضل الإكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة (١٠)، إلا إذا كان
_________________
(١) أبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي (٢/ ١٣٢)، وابن ماجه (٨٠٦)، والحاكم (١/ ٢٣٥)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وفي رفع هذا الحديث مقال لأهل العلم، وقد صح عن عمر موقوفًا، وله حكم الرفع. وقد اختار الإمام أحمد هذا الاستفتاح لعشرة أوجه، ذكرها ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٢٠٥).
(٢) البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).
(٣) وهذا الذي ينبغي في العبادات الواردة على وجوه متعددة كأفعال الصلاة وأقوالها -كما تقدم ص (٥٨) -، انظر: قواعد ابن رجب "القاعدة الثانية عشرة"، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ٤٥٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٤٠)، نيل الأوطار (٢/ ٢٤٣)، فتاوى الشيخ ابن باز (١/ ٦١)، مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١٣/ ١٥٤).
(٥) مجمع فتاوى ابن عثيمين (١٣/ ٣٥٢).
(٦) منتهى الإرادات (١/ ٢١٤)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٠٦).
(٧) مسلم (٤٩٨)، وابن ماجه (٨٧٢)، وانظر: مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٥)، فتح الباري (٢/ ٢٧٥).
(٨) البخاري (٨٢٨)، والترمذي (٢٦٠)، وأبو داود (٧٣١)، (٧٣٤).
(٩) أبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧)، وانظر: صفة صلاة النبي -ﷺ- للألباني ص (١٣٢).
(١٠) انظر: سنن الترمذي (٢/ ٥٧)، والمصدر السابق.
[ ١٠٠ ]
إمامًا فلا يطيل، إلا إن علم من حال المأمومين أنهم يؤثرون ذلك.
وإن قال: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (١) فحسن، أو غير ذلك من أذكار الركوع الواردة في السنة (٢).
ثم يرفع رأسه من الركوع مكبرًا رافعًا يديه -كما تقدم-، ويعتد قائمًا حتى يرجع كل عضو إلى موضعه (٣)، ويطمئن (٤)، ويقول حال رفعه: "سمع الله لمن حمده"، إمامًا كان أو منفردًا، ثم يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد" (٥)، أو يقول: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٦). ويضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى حال قيامه؛ لأنه لم يثبت عن النبي -ﷺ- التفريق بين ما قبل الركوع وما بعد الرفع منه، بل ظاهر السنة هو الوضع المذكور (٧).
ثم يهوي للسجود مكبرًا، والأفضل أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء انحطاطه، وانتهاوه مع انتهائه.
والسنة أن يضع المصلي ركبتيه على الأرض ثم يديه ثم جبهته وأنفه (٨)، فإن احتاج لتقديم يديه قبل ركبتيه لكبر أو مرض فله ذلك. فيسجد على جبهته مع أنفه، ويديه وركبتيه وأطراف قدميه. والسجود الموافق للسنة ما اجتمع فيه أربع صفات:
الأولى: أن يجعل يديه حال سجوده حذو منكبيه، وله أن يسجد بين كفيه، وله أن يجعلهما حذو أذنيه، فكل ذلك ورد في السنة (٩).
الثانية: أن يبسط كفيه، مضموتي الأصابع إلى القبلة (١٠).
الثالثة: أن يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقية (١١)، وهذه المجافاة سنة ما لم يؤذ من بجانبه، فإن حصل ذلك ترك المجافاة.
الرابعة: أن يضم قدميه في أثناء السجود، ويثني أصابعهما بحيث تكون في اتجاه القبلة (١٢). ويسن
_________________
(١) البخاري (٤٩٦٨)، ومسلم (٤٨٤).
(٢) الأذكار للنووي ص (٥٠).
(٣) البخاري (٨٢٨).
(٤) البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).
(٥) البخاري (٧٨٩)، مسلم (٣٩٢/ ٢٨).
(٦) مسلم (٤٧٧).
(٧) البخاري (٧٤٠)، وانظر: رسالة الشيخ: عبد العزيز بن باز -﵀- (أين يضع المصلي يديه بعد الرفع من الركوع)، ضمن "ثلاث رسائل في الصلاة" من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. وانظر: النكت على المحرر لابن مفلح (١/ ٦٢).
(٨) أبو داود (٨٣٨)، والنسائي (٢/ ٢٠٦)، والترمذي (٢٦٨)، وقال: حديث حسن غريب. وانظر: المغني (١/ ١٩٣)، وزاد المعاد (١/ ٢٢٣)، والشرح الممتع (٣/ ١٥٤).
(٩) أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٧٠، ١٧١)، وقال عن كل واحد منهما: حديث حسن صحيح.
(١٠) سنن الترمذي (٢/ ٥٩ - ٦١).
(١١) البخاري (٣٩٠)، ومسلم (٤٩٥).
(١٢) الشرح الممتع (٣/ ١٦٩). صفة صلاة النبي -ﷺ- للألباني، ص (١٤٢)، وانظر: رسالة "لا جديد في أحكام الصلاة" لبكر أبو زيد -الطبعة الثالثة- فقد أثبت أن السنة في القدمين حال السجود هو التفريق باعتدال على سمت =
[ ١٠١ ]
الاعتدال في السجود، ولا ينبغي الامتداد الزائد، فإنه خلاف السنة (١)، ولا يبسط ذراعيه على الأرض، إلا إذا طال السجود فله أن يعتمد مرفقيه على فخذيه (٢)، وينبغي للمصلي أن يباشر الأرض بجبهته إلا إن كان الحائل منفصلًا -كفراش المسجد- فيجوز، فإن كان متصلًا -كطرف ثوبه أو غترته ونحو ذلك- كره السجود عليه إلا لحاجة، كبرد أو حر أو شوك ونحو ذلك (٣)، ثم يقول: سبحان ربي الأعلى (٤)، ثلاثًا، ويجزئ واحدة، وله أن يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (٥)، أو يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره" (٦).
إلى غير ذلك مما ثبت في السنة، وينبغي الإكثار من الدعاء حال السجود، لقرب العبد من ربه ﵎ (٧).
ثم يرفع رأسه مكبرًا في حال رفعه، ويجلس مفترشًا رجله اليسرى، ناصبًا اليمنى، مستقبلًا بأصابعها القبلة (٨)، ويضع يديه على فخذيه، وأطراف أصابعه عند ركبتيه، وله أن يضع اليمنى على الركبة، واليسرى يلقمها الركبة كالقابض لها، وكلا اليدين تكون مبسوطة مضمومة الأصابع، موجهة إلى القبلة (٩)، وإن قبض من اليد اليمنى الخنْصر -وهي الإصبع الصغرى- والبنْصر -وهي الإصبع التي تلي الخنصر- وحلَّق الإبهام -وهي الإصبع الكبيرة مع الوسطى- أو غير ذلك من الصفات، ورفع السبابة يحركها عند الدعاء جاز، فقد قال بذلك بعض العلماء استنادًا لبعض النصوص (١٠). ويقول: ربي اغفر لي (١١) ثلاثًا، ويجزئ واحدة، وله أن يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني" (١٢).
ثم يسجد الثانية كالأولى في الهيئة والدعاء، ثم يرفع مكبرًا ناهضًا على صدور قدميه (١٣)، معتمدًا بيديه
_________________
(١) = البدن وضعّف القول برص الساجد عقبيه، والله أعلم.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٣/ ١٨٧).
(٣) أبو داود (٩٠٢)، والترمذي (٢٨٦)، وأحمد (١٤/ ١٨٢)، وإسناده قوي وصححه أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي. وانظر: فتح الباري (٢/ ٢٩٤)، والتنقيح المشبع ص (٦٩).
(٤) المغني (١/ ١٩٧)، الشرح الممتع (٣/ ١٦٠).
(٥) أبو داود (٨٧١)، والترمذي (٢٦٢)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) مسلم (٤٨٣).
(٨) الأذكار للنووي (٥٣)، وصفة الصلاة للألباني ص (١٤٥).
(٩) مسلم (٤٩٨)، وأبو داود (٩٥٨)، والنسائي (٢/ ١٨٧)، وانظر: المغني (٢/ ٢٠٥).
(١٠) يرى الفقهاء -﵏- أن اليد اليمنى تبسط بين السجدتين كما تبسط اليسرى، وحملوا الأحاديث التي فيها القبض على الجلوس للتشهد، وانظر: فتاوى ابن باز (١١/ ١٤٦).
(١١) قال بذلك ابن القيم كما في زاد المعاد (١/ ٢٣٨)، وتبعه على ذلك الشيخ محمد العثيمين كما في مجموع فتاويه (١٣/ ١٩١ - ٢١١)، وانظر: رسالة "لا جديد في أحكام الصلاة" لبكر أبو زيد ص (٣٨).
(١٢) أبو داود (٨٧٤)، والنسائي (٢/ ١٨٣)، وابن ماجه (٨٩٧)، والحاكم (١/ ٢٧١)، وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صفة الصلاة ص (١٥٣).
(١٣) أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨)، والحاكم (١/ ٢٧١)، وصححه ووافقه الذهبي. وحسنه النووي في "الأذكار" ص (٥٦)، وقد نقل الترمذي في هذا الموضع عن الشافعي وأحمد وإسحاق أنهم يرون أن هذا الدعاء جائز في المكتوبة والتطوع.
(١٤) أبو داود (٩٩٢)، (٨٣٨)، والنسائي (٢/ ١٨٦)، وابن خزيمة (٦٢٩).
[ ١٠٢ ]
على ركبتيه إن سهل، وإلا اعتمد على الأرض (١)، ولا يجلس جلسة الاستراحة -وهي جلسة خفيفة كهيئة الجلوس بين السجدتين- إلا إن فعلها إمامه، وإلا نهض لئلا يخالفه (٢).
ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى، سوى تكبيرة الإحرام والاستفتاح، ولا يستعيذ للقراءة في الركعة الثانية؛ لأن الصلاة جملة واحدة، إلا إذا لم يتعوذ في الركعة الأولى لكونه أدرك الإمام راكعًا، فيتعوذ إذا قام للقراءة، أما البسملة فتسن في كل ركعة؛ لأنها تستفتح بها السورة (٣).
فإذا فرغ من الركعة الثانية جلس للتشهد الأول كجلوسه بين السجدتين، ويضع يديه على فخذيه، ويقبض الخنصر والبنصر، ويحلق حلقة بالإبهام مع الوسطى، أو يضم الخنصر والبنصر والوسطى ويضم إليها الإبهام، وتبقى السبابة مفتوحة، أما اليسرى فهي مبسوطة، مضمومة الأصابع، وأطرافها إلى القبلة (٤)، ويرفع السبابة يشير بها (٥)، ويرمي ببصره إليها (٦).
ثم يقرأ التشهد، وله صيغ متعددة، وبأي تشهد تشهّد مما صح عن النبي -ﷺ- جاز (٧)، فإن تشهد بنوع
مرة وبنوع مرة أخرى فهو أفضل. ومن ذلك: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٨).
فإن فرغ المأموم من هذا التشهد قبل قيام إمامه إلى الركعة الثالثة فإنه يقرأ بقية التشهد، وهو قوله: (اللهم صل على محمد ) إلخ، لا سيما إن كان الإمام يكمل التشهد، فإن المأموم يكمله؛ لأنه تابع لإمامه (٩)، ولأن الصلاة ليس فيها سكوت إلا حال قراءة الإمام.
فإذا فرغ من التشهد الأول نهض إلى الثالثة كما تقدم في صفة النهوض من السجود إلى الركعة الثانية، فإذا اعتدل رفع يديه -كما فعل عند تكبيرة الإحرام- ويصلي الركعة الثالثة -إن كانت الصلاة ثلاثية- والرابعة -إن كانت رباعية- كالركعة الثانية، إلا أنه لا يجهر بالقراءة ويقتصر على قراءة الفاتحة (١٠). وإن قرأ أحيانًا شيئًا مع الفاتحة فهذا أفضل، لا سيما عمن كان مأمومًا وفرغ من
_________________
(١) انظر: المغني (٢/ ٢١٥)، ويرى مالك والشافعي أن السنة أن ينهض معتمدًا على يديه لحديث مالك بن الحويرث: (أنه -ﷺ- لما رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعدًا ثم اعتمد على الأرض)، أخرجه النسائي (٢/ ١٨٦)، ولعل ذلك محمول على أنه كان منه -ﷺ- لمشقة القيام عليه لضعفه وكبره، وبهذا تجتمع الأدلة، وهو قول صاحب المغني (٢/ ٢١٤).
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ٤٢٥)، الممتع (٣/ ١١٢). وفي جلسة الاستراحة خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنها سنة، ومنهم من قال: إنها تشرع عند الحاجة، وهو الذي اختاره ابن قدامة وابن القيم. فانظر: المغني (٢/ ٢١٣)، زاد المعاد (١/ ٢٤٠).
(٣) المغني (٢/ ٢١٥).
(٤) مسلم (٥٧٩)، (٥٨٠).
(٥) أبو داود (٧٢٦)، والنسائي (٢/ ١٢٦)، وابن الجارود (٢٠٨)، وابن خزيمة (١/ ٣٥٥، ٣٥٦)، وإسناده صحيح، وانظر: زاد المعاد (١/ ٢٣٨)، فتاوى ابن باز (١١/ ١٨٥).
(٦) أبو داود (٩٩٠)، والنسائي (٣/ ٣٩)، وأحمد (٢٦/ ٢٥)، وابن خزيمة (٧١٨، ٧١٩)، وهو حديث صحيح.
(٧) المغني (٢/ ٢٠٢)، صفة الصلاة للألباني ص (١٦١).
(٨) البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢).
(٩) انظر: صفة الصلاة للألباني ص (١٦٤).
(١٠) البخاري (٧٧٦)، ومسلم (٤٥١).
[ ١٠٣ ]
الفاتحة قبل أن يركع إمامه، لما تقدم (١).
وفى آخرها يجلس للتشهد الأخير متورّكًا، وصفته: أن يفرش رجله اليسرى، ويخرجها عن يمينه، وينصب اليمنى، جاعلًا مقعدته على الأرض (٢) أو يفرش قدميه كليهما، ويخرجهما من الجانب الأيسر (٣).
أو يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين فخذ وساق الرجل اليمنى (٤)، والأفضل أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة، كما تقدم. والمرأة كالرجل في ذلك (٥). ثم يقرأ التشهد الأخير كالأول، ويزيد الصلاة على النبي -ﷺ-، وقد وردت بألفاظ متعددة (٦).
ثم يتعوذ قائلًا: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدجال" (٧) ثم يدعو بما شاء من أمور دينه ودنياه، ومن الوارد: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٨)، "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" (٩).
ثم يسلم عن يمينه قائلًا: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك، ويبالغ في الالتفات حتى يرى بياض خده (١٠)، وإن زاد أحيانًا "وبركاته" جاز لثبوت ذلك عن النبي -ﷺ- (١١) لكن لا يداوم عليها؛ لأنها لم ترد في أكثر أحاديث السلام.
ولا أصل للمصافحة بعد الصلاة -كما يفعله بعض الناس- فيصافح الذي عن يمينه وشماله، قائلًا: تقبل الله، سواء كان ذلك بعد صلاة الفجر والعصر أو بعد كل صلاة، فإن هذا من البدع المحدثة التي لا
_________________
(١) مسلم (٤٥٢).
(٢) البخاري (٨٢٨).
(٣) أبو داود (٩٦٥)، والترمذي (٣٠٤)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٤) مسلم (٥٧٩).
(٥) الشرح الممتع (٣/ ٣٠١).
(٦) صفة الصلاة ص (١٦٤).
(٧) البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٥٨٨).
(٨) البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥).
(٩) مسلم (٧٧١).
(١٠) أبو داود (٩٩٦)، والنسائي (٣/ ٥٢)، والترمذي (٢٩٥)، وابن ماجه (٩١٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(١١) أبو داود (٩٩٧)، قال الحافظ في البلوغ (١/ ٨٤): بسند صحيح. اهـ. وقد اختلفت كلمة العلماء في ثبوت كلمة (وبركاته)، في التسليمة الثانية، فلم يذكرها عبد الحق في الأحكام الوسطى (١/ ٤١٣)، وابن الأثير في جامع الأصول (٥/ ٤١٠)، والزيلعي في نصب الراية (١/ ٤٣٢)، وقد سقطت من طبعة محمد محيي الدين لسنن أبي داود (١/ ٢٦٥)، لكنها موجودة في النسخة الهندية، وفي طبعة الدعاس ص (٦٠٧)، وقد تكون عن الهندية، وقد نسبها إلى أبي داود الحافظ في البلوغ -وقد حذفت من بعض الطبعات-، وفي التلخيص (١/ ٢٨٩)، مع أنه أنكرها في نتائج الأفكار (٢/ ٢٣٦)، كما نسبها إلى أبي داود ابن دقيق العيد في الإلمام (٢٦٠)، وقد نصّ عليها الصنعاني في سبل السلام (١/ ٣٨٠)، وقد وردت -أيضًا- في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه -كما ذكر الحافظ في التلخيص- لكنها غير موجودة في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (٩١٤). وذكر الأرناؤوط أنها في نسخة خطية في السنن لابن ماجه في دار الكتب الظاهرية، وذلك في تعليقه على شرح السنة (٣/ ٢٠٥).
[ ١٠٤ ]
أصل لها في الشرع، مع ما فيها من الإشغال عن الذكر، ولم يفعل ذلك الصحابة -﵃- ومن سار على نهجهم من سلف هذه الأمة، والمصافحة إنما تشرع عند الملاقاة، لا في أثناء المجالسة.
ومثل ذلك ما يفعله بعض المصلين من الإشارة بالأكف يمنة ويسرة مع التسليم فهو بدعة؛ لأن إحداث هيئة في العبادات لم يرد فيها دليل داخل في مسمى البدعة (١)، والله أعلم.