ومما ينبغي أن يحرص عليه المصلي بعد دخول المسجد أن يصلي النافلة إلى سترة، وأن يدنو منها، وهي مشروعية في حق الإمام والمنفرد، وكذا المسبوق إذا قام لقضاء ما فاته إن أمكن، حتى ولو كان المصلي في مكان لا يخشى فيه مارًا؛ لعموم الأدلة لكل مصلّ؛ ولأنه قد يكون المار من الجنس الذي لا يراه الإنسي، وهو الشيطان، كما في حديث سهل الآتي -إن شاء الله-.
ولا فرق في مشروعية اتخاذ السترة بين الرجال والنساء، على أن التساهل فيها موجود، فمن المتنفلين من لا يصلي إلى سترة، بل يصلي وسط المسجد، أو في مؤخره بلا سترة، وهذا من الجهل وعدم الفقه في الدين. والنساء يتساهلن في السترة، فلا تكاد تجد امرأة تصلي في بيتها إلى سترة إلا القليل النادر (٥).
وقد دلت السنة القولية والفعلية على تأكيد اتخاذ السترة، وقد واظب عليها النبي -ﷺ- ولم يتركها حضرًا ولا سفرًا، وأمر بها في عدة أحاديث، حتى ذهب فريق من أهل العلم إلى وجوبها، وهو مروي عن الإمام أحمد ﵀، وبه قال ابن خزيمة وبدر الدين العيني والشوكاني وغيرهم، رحم الله الجميع، وهذا قول قوي وإن كان الجمهور قالوا بالسنية، فإن الأمر باتخاذ السترة أمر مطلق لا قرينة معه تصرفه عن الوجوب، فيكون مقتضيًا له، وإليك بعضًا من هذه النصوص:
عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدًا يمر يه وبينها، فإذا جاء أحد يمر فيقاتله؛ فإنه شيطان" (٦).
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٥٣٨)، كشاف القناع (٢/ ٤٦).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) فتح الباري (١/ ١٤).
(٤) انظر: الأم (١/ ٢٢٧).
(٥) انظر: عمدة القاري (٤/ ١٢٣)، ونيل الأوطار (٣/ ٣).
(٦) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٩٠)، وابن ماجه (١/ ٣٠٧)، والبيهقي (٢/ ٢٦٧)، وقد صححه ابن خزيمة (٢/ ٢٧)، والألباني =
[ ٧٧ ]
قال الشوكاني: (فيه أن اتخاذ السترة واجب) (١).
وعن سهل بن أبي حثمة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٢).
وعن سبرة بن معبد الجهني -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته ولو بسهم" (٣).
والسهم: عود من الخشب يسوّى، في طرفه نصل يرمى به عن القوس، ويبلغ طوله فترًا تقريبًا، والفتر: بالكسر، ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة بالتفريج المعتاد (٤)، ويقدر بحوالي ستة عشر سنتًا.
وعن ابن عمر -﵄-: أن رسول الله -ﷺ- كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في سفره، فمن ثمّ اتخذها الأمراء (٥).
والحربة: آلة قصيرة من الحديد، محددة الرأس، تستعمل في الحرب (٦).
وعن عون بن أبي جحيفة قال: سمعت أبي: أن النبي -ﷺ- صلى بالبطحاء وبين يديه عنزة الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر بين يديه المرأة والحمار، وفي رواية: يمر من ورائها المرأة والحمار والكلب (٧).
والعنزة: أطول من العصا، وأقصر من الرمح، في أسفلها زج كزج الرمح، يتوكأ عليها الشيخ الكبير (٨).
وعن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود" (٩).
قال النووي: (آخرة الرحل: بهمزة ممدودة، وكسر الخاء، وهي العود الذي في آخر الرحل). اهـ (١٠).
والرحل: هو المعروف عند أهل الإبل بالشداد، وهو المركب المعد للراكب، يكون من الخشب، وفي آخره خشبة يستند إليها الراكب.
فهذه النصوص دليل صريح على مشروعية اتخاذ السترة عند الصلاة، سواء كان ذلك في المسجد، أو المنزل، أو في الصحراء.
_________________
(١) = في "صحيح الجامع" (٦٥٤، ٦٦٤).
(٢) نيل الأوطار (٣/ ٢)، وانظر السيل الجرار للشوكاني (١/ ١٧٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٨٨)، وصححه ابن خزيمة (٢/ ٢٧)، والنووي في المجموع (٣/ ٨).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٤)، والطبراني في الكبير (٧/ ١١٤)، وابن خزيمة (٢/ ١٣)، وإسناده حسن.
(٥) لسان العرب (١٢/ ٣٠٨)، (٥/ ٤٤)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٥٩)، وانظر: "الحرف والصناعات في الحجاز" ص (٢١٢).
(٦) أخرجه البخاري (١/ ٥٧٣)، ومسلم (٤/ ٤٦٤).
(٧) المعجم الوسيط (١/ ١٦٤)، وانظر: "الحرف والصناعات في الحجاز" ص (٢١٨).
(٨) أخرجه البخاري (١/ ٥٧٣)، ومسلم (٤/ ٤٦٤).
(٩) المعجم الوسيط (٢/ ٦٣١).
(١٠) أخرجه مسلم (٤/ ٤٧٣).
(١١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٤٦٢).
[ ٧٨ ]
ولقد امتثل السلف الصالح مدلول هذه النصوص، وثبت من أقوالهم وأفعالهم ما يدل على ذلك.
فعن أنس بن مالك -﵁- قال: لقد رأيت أصحاب النبي -ﷺ- يبتدرون السواري عند المغرب حتى يخرج النبي -ﷺ-.
وفي رواية: وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب (١).
وعن قرّة بن إياس قال: رآني عمر وأنا أصلي بين أسطوانتين -أي: عمودين- فأخذ بقفائي فأدناني إلى سترة، فقال: صل إليها (٢).
قال الحافظ ابن حجر: (أراد عمر بذلك أن تكون صلاته على سترة) (٣).
وقال عبد الله بن مسعود -﵁-: (أربع من الجفاء: أن يصلي الرجل إلى غير سترة، وأن يسمح جبهته قبل أن ينصرف، أو يبول قائمًا، أو يسمع المنادي ثم لا يجيبه) (٤).
والحكمة من الأمر باتخاذ السترة دفع الضرر عن الصلاة الذي سببه مرور الشيطان أمام المصلي، وهذا ما يفهم من قوله -ﷺ- في حديث سهل المتقدم: "فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٥). قال السندي: (هذه جملة مستأنفة بمنزلة التعليل، أي: لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته) (٦).
وعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذ كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين" (٧).
والشيطان يطلق حقيقة على الجن، ويطلق على الإنس أيضًا. قال العيني: (وقد يكون أراد بالشيطان المار بين يديه: نفسه، وذلك أن الشيطان هو المارد الخبيث من الجن والإنس) (٨).
وقال بعض العلماء: الحكمة في السترة كفّ البصر عما وراءها، ومنع من يجتاز بقربه، وهذا أمر محسوس؛ فإن من يصلي إلى سترة أجمع لقلبه وأقرب لخشوعه وأغض لبصره، لا سيما إذا كانت سترة شاخصة كجدار أو سارية؛ والله المستعان.
وتحصل السترة بكل ما يجعله المصلي تجاه القبلة كالسارية، والجدار ولو قصيرًا، والراحلة، والسيارة، والشجرة، والسرير، واللبنة، والمخدة، والعصا والحجر، وغير ذلك (٩).
وأجاز بعض العلماء فرش السجادة واعتبار نهايتها سترة له. قال في سبل السلام: (وقاس الشافعية على ذلك -أي وضع الخط- بسط المصلي لنحو سجادة، بجامع إشعار المار أنه في الصلاة، وهو صحيح) (١٠).
ولا تحديد لعرض السترة؛ فإن الرسول -ﷺ- صلى إلى العنزة (وهي عصا في أسفلها حديدة)، وصلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٥٧٧)، (٢/ ١٠٦).
(٢) رواه البخاري تعليقًا (١/ ٥٧٧)، بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٠)، وهو أثر حسن.
(٣) فتح الباري (١/ ٥٧٧).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٦١)، وسنده حسن.
(٥) انظر: إتحاف الأخوة بأحكام الصلاة إلى السترة (ص ١٢٨).
(٦) حاشية السندي على سنن النسائي (٢/ ٦٢).
(٧) أخرجه مسلم (٤/ ٤٧٠).
(٨) عمدة القاري (٤/ ١٢٢).
(٩) شرح النووي على مسلم (٤/ ٤٦٣).
(١٠) المجموع (٣/ ٢٤٨)، سبل السلام (١/ ٢٨٤).
[ ٧٩ ]
على الرمح ونحوهما، وفي حديث سبرة المتقدم: "ولو بسهم".
وأما ارتفاعها فتقدم في حديث أبي ذر -﵁- أنها مثل آخرة الرحل، والمراد بذلك: الخشبة التي يستند إليها الراكب، كما مضى، ومقدارها ذراع، كما صرح به عطاء، وأفتى به الثوري، قال ابن جريج: قال عطاء: كان من مضى يجعلون مؤخرة الرحل إذا صلوا، قلت: وكم بلغك قدر مؤخرة الرحل؛ قال: ذراع، قال: سمعت الثوري يفتي بقول عطاء (١)، وذكر النووي أنها ثلثا ذراع (٢)، والظاهر أن طولها يختلف، والله أعلم.
واعلم أن ظاهر النصوص يدل على أن المصلي يجعل السترة قبالة وجهه ولا ينحرف عنها، فإن قول الراوي: صلى رسول الله -ﷺ- إلى الحربة. وقوله: بين يديه عنزة، ونحوهما يدل على مقابلة السترة وعدم الانحراف. قال ابن عبد البر: (وأما استقبال السترة والصمد لها فلا تحديد في ذلك عند العلماء، وحسب المصلي أن تكون سترته قبالة وجهه). اهـ (٣).
وأما حديث ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها قالت: (ما رأيت رسول الله -ﷺ- صلى على عمود ولا عود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمدًا)؛ فهو حديث ضعيف، كما حققه ابن القيم وغيره من أهل العلم (٤).
وقد دلت الأحاديث المتقدمة على وجوب الدنو من السترة على ما ذهب إليه فريق من أهل العلم لأمرين:
الأول: أن الرسول -ﷺ- أمر بذلك، والأمر عند الإطلاق يقتضي الوجوب.
الثاني: التعليل بقوله: "وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٥).
وأما مقدار ذلك فقد دل عليه حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁- قال: كان بين مصلى رسول الله -ﷺ- وبين الجدار ممر شاة (٦).
والمراد بالمصلّى: مكان الصلاة، وهو ما يصلي فيه الإنسان من موضع القدمين والجبهة في السجود، فتكون المسافة بين موضع سجوده وبين سترته قدر ممر شاة، وهو نصف ذراع تقريبًا، أو ثلاثة أذرع
_________________
(١) أخرجه عبد الرازق في المصنف (٢/ ٩)، ورواه أبو داود عن عطاء (٢/ ٤٨١)، وهو أثر صحيح.
(٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٤٦٣).
(٣) التمهيد (٤/ ١٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود (٦٩٣)، وأحمد (٦/ ٤)، وغيرهما من طريق علي بن عياش ثنا أبو عبيدة الوليد بن كامل البجلي، حدثني المهلب بن حجر البهراني عن ضباعة. به. وهذا إسناد ضعيف، تفرد به الوليد بن كامل، كما قاله البيهقي (٢/ ٢٧٩)، وعلته ثلاثة أمور: جهالة الوليد بن كامل، قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام " (٣/ ٣٥٢): "الوليد بن كامل من الشيوخ الذين لم تثبت عدالتهم، ولا لهم من الرواية كبير شيء يستدل به على حالهم". اضطراب الوليد فيه، كما نصّ عليه الحافظ ابن حجر وغيره، ففي رواية علي بن عياش -هذه- جعله فعلًا، وفي رواية بقية جعله قولًا. كما عند النسائي -على ما قاله ابن القيم في "تهذيب السنن" (١/ ٣٤١) - كما أنه تارة يقول: ضباعة بنت المقداد، وتارة: ضبيعة بنت المقدام. جهالة ضباعة والمهلب. ذكر ذلك ابن القطان -أيضًا- (٢/ ٣٥٢)، ولهذا ضعفه المحققون من أهل العلم أمثال: البيهقي وعبد الحق وابن القطان والنووي والمنذري وغيرهم. والله أعلم. انظر تهذيب السنن (١/ ٣٤١)، ونصب الراية (٢/ ٨٣)، وإتحاف الأخوة ص (١٣١).
(٥) انظر: المحلى (٤/ ٢٦١)، فتح الباري (١/ ٥٧٥)، شرح ثلاثيات مسند أحمد (٢/ ٧٨٦).
(٦) رواه البخاري (١/ ٥٧٤)، ومسلم (٤/ ٤٧٢).
[ ٨٠ ]
تقريبًا من موضع القدمين على السترة (١)، كما ورد في حديث بلال -﵁-: أنه -ﷺ- صلى في الكعبة، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع (٢).
يقول البغوي ﵀: (والعمل على هذا عند أهل العلم؛ استحبوا الدنو من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفين) (٣)، وعلى هذا فينبغي قرب الصف الأول من الإمام؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. والله أعلم.