من دخل المسجد وقد فاتته الجماعة فإما أن يجد من يصلي، أو لا، فإن وجد جماعة يصلون صلى معهم، وإن وجد منفردًا يصلي تلك الصلاة بأمارة دخل معه، وصار الأول إمامًا للثاني، فتصح نية الإمامة في أثناء
_________________
(١) المفهم (٢/ ٤١١).
(٢) أعلام الموقعين (٣/ ١٥٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٠٢).
(٤) نيل الأوطار (٣/ ٢٢٤).
(٥) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٣٩).
(٦) تفسير ابن سعدي (٥/ ٤٥٥).
[ ١١٠ ]
الصلاة؛ بدليل حديث ابن عباس ﵄ عندما بات عند خالته ميمونة، فقام الرسول -ﷺ- يصلي من الليل، فقام معه عن يساره، فجعله عن يمينه (١). ففيه إشارة إلى أنه -ﷺ- نوى الإمامة في أثناء الصلاة (٢).
قال ابن عبد البر: (فيه رد على من لم يجز للمصلي أن يوم أحدًا إلا أن ينوي الإمامة مع الإحرام؛ لأن النبي -ﷺ- لم ينو إمامة ابن عباس، وقد قام إلى جنبه فأتم به، وسلك رسول الله -ﷺ- سنة الإمامة؛ إذ نقله عن شماله إلى يمينه) (٣).
وهناك أدلة أخرى تفيد اقتداء الصحابة -﵃- بالنبي -ﷺ-، ولم ينو الإمامة من أول الصلاة، فأتم بهم، ولم ينكر عليهم، فدل على أن نية الإمامة ليست شرطًا.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: (ولا فرق بين الفريضة والنافلة؛ لأن الأصل التسوية بينهما في الأحكام، إلا ما خصه الدليل ولا مخصص هنا فيما أعلم، والله أعلم) (٤). فإن لم يجد أحدًا يصلي طلب من الحاضرين أن يصلي أحدهم معه؛ لحديث أبي سعيد الخدري -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه"؟ فقام رجل فصلى معه (٥).
وعموم الحديث يفيد أن المصلي مع الجماعة يصلي مع هذا المتأخر ولو كانت المغرب أو العصر، وسأذكر ذلك، إن شاء الله (٦) أو يخرج إلى مسجد آخر فيصلي فيه إذا كان يطمع في إدراك جماعته، وقد ورد في صحيح البخاري أن الأسود بن يزيد النخعي -أحد كبار التابعين- كان إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر.
وقد أورد البخاري -﵀- هذا الأثر في باب "فضل صلاة الجماعة"، وبين الحافظ ابن حجر أن البخاري قصد بإيراده في هذا الباب أن الفضل الوارد في صلاة الجماعة مقصور على من جمّع في المسجد، دون من جمّع في بيته -مثلًا-؛ لأن التجميع لو لم يكن مختصًا بالمسجد لجمّع الأسود في مكانه، ولم ينتقل إلى مسجد آخر؛ لطلب الجماعة (٧).
فينبغي لمن فاتته الجماعة في مسجده أن يحرص على تحصيل ثوابها ولو في مسجد آخر؛ لا سيما إذا كان قريبًا من منزله لا يشق عليه، وفي وقتنا هذا كثرت المساجد في الأحياء، وقد يكون هناك فارق في وقت الإقامة بين مسجد ومسجد، مما يكون سببًا في إدراك الصلاة في مسجد آخر.