الصبيان: جمع صبي، وهو في اللغة: من حين يولد إلى أن يفطم، أما الفقهاء فيقولون: الصبي من دون البلوغ (٥)، وهذا هو المراد بموضوعنا هنا، ويؤيد ذلك الحديث الآتي: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين" فسماه صبيًا وقد جاوز السابعة. فإن كان مميزًا وهو من بلغ سبع سنين، فإن وليه يحضره إلى المسجد؛ لأنه مأمور بتكليفه بالصلاة إذا بلغ هذه السن.
لما ورد عن سبرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين. وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" (٦).
وقد دل هذا الحديث على مسألتين:
الأولى: أن ولي الصبي من أب أو جد أو أخ أو وصي أو غيرهم مكلّف من قبل الشرع بأن يأمر الصغير بالصلاة: ذكرًا كان أم أنثى، وتعليمه ما تتوقف عليه صحة الصلاة من الشروط والأركان، وذلك إذا أكمل سبع سنين؛ لأن التمييز يحصل بعدها غالبًا. وكثير من الأولياء قد تساهل في هذا الأمر العظيم،
_________________
(١) معالم السنن (١/ ٢٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٨)، ومسلم (٥٧٣).
(٣) راجع فتح الباري (١/ ٥٦٥)، وانظر غذاء الألباب (٢/ ٣٩١).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٤٤). قال في إرواء الغليل (٢/ ٩٩): سنده حسن.
(٥) اللسان (١٤/ ٤٥٠)، الدر النقي لابن عبد الهادي (١/ ١٧٠)، الأشباه والنظائر للسيوطي ص (٣١١)، فتح الباري (٢/ ٣٤٦).
(٦) أخرجه أبو داود (٤٩٤)، والترمذي (٤٠٧)، وقال: حديث حسن صحيح، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- عند أبي داود (٤٩٥).
[ ٥٧ ]
ولا سيما مع البنات.
وهذا الأمر للصغير وإن كان أمر تدريب لا أمر إيجاب، لكن له فوائد عظيمة، والشارع الحكيم لا يأمر إلا بما فيه مصلحة.
المسألة الثانية: إن الحديث يدل على الإذن للصبيان بدخول المساجد؛ لأنها أماكن أداء الصلاة. وعلى ولي الصغير أن يعوده الذهاب على المسجد وحضور الجماعة، فيأخذه معه، ويجعله بجانبه، لينشأ على حب العبادة والتعلق بالمسجد، فيسهل عليه الأمر بعد البلوغ.
وأما إذا كان الصبي غير مميز، فقد ورد في نصوص الشريعة ما يدل على جواز دخوله المسجد، وهي نصوص صحيحة صريحة، رواها عدد من الصحابة -﵃- بألفاظ متعددة
ومن ذلك ما روى أبو قتادة الأنصاري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب بنت رسول الله -ﷺ-، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
وفي لفظ: (رأيت النبي -ﷺ- يؤم الناس، وأمامه بنت أبي العاص على عاتقه ..) (١).
فهذا الحديث دل على مسألتين:
الأولى: جواز إحضار الصبي إلى المسجد وإن كان صغيرًا، لما ورد في بعض الروايات: (بينما نحن في المسجد جلوسًا خرج علينا رسول الله -ﷺ- يحمل أمامه وهي صبية ..) (٢)؛ وجواز حمله في الصلاة ولو كانت فريضة لقوله: (رأيت رسول الله -ﷺ- يؤم الناس ..) الحديث.
الثانية: أن ثياب الأطفال وأبدانهم طاهرة ما لم تعلم نجاستها (٣)، وعليه فلا يجوز منعهم من المساجد لمجرد احتمال تنجيسهم لها.
ومن الأدلة -أيضًا- ما ورد عن عائشة -﵂- قالت: أعتم رسول الله -ﷺ- في العشاء حتى ناداه عمر: قد نام النساء والصبيان .. الحديث (٤). فدل هذا الحديث على مسألتين:
الأولى: جواز دخول الصبيان المساجد، وحضورهم الصلوات، وهو صريح في أن ذلك وقت صلاة العشاء في ظلمة الليل. وقد بوب البخاري -﵀- على هذا الحديث بقوله: (باب وضوء الصبيان .. -إلى قوله-: وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم)، وهنا يدل على أن البخاري فهم أن هولاء الصبيان كانوا حضورًا في المسجد، وهذا هو الظاهر. خلافًا لمن قال: إن المراد: ناموا في البيوت؛ لأن عمر -﵁- نبه النبي -ﷺ- إلى أنهم ناموا، ولو كان ذلك النوم في البيوت لكان طبيعيًا ولا حاجة للتنبيه إليه (٥).
وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم، ومحلّ الشفقة والرحمة، بخلاف الرجال (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣)، والرواية المذكورة له. وقوله: (ولأبي العاص ..)، معطوف على (زينب)، والتقدير: بنت لزينب ولأبي العاص.
(٢) أخرجه أبو داود (٩١٨)، وإسناده صحيح.
(٣) انظر معالم السنن للخطابي (١/ ٤٣١)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ١٥٦).
(٤) أخرجه البخاري (٥٦٦)، وقوله: (أعتم)، أي: دخل في العتمة مثل: أصبح، دخل في الصباح. والمعنى: أخَّر صلاة العشاء إلى العتمة، وهي: ثلث الليل بعد مغيب الشفق، ومثل حديث عائشة حديث ابن عباس -﵄- عند البخاري (٧٢٣٩)، ومسلم (٦٤٢).
(٥) فتح الباري (٢/ ٣٤٤)، تحذير الساجد (٢٥).
(٦) فتح الباري (٢/ ٤٨).
[ ٥٨ ]
المسألة الثانية: أن لفظ "الصبيان" في الحديث جمع معرف باللام، فيعم كل صبي صغيرًا كان أو كبيرًا.
وأما منع الصبيان من دخول المساجد بحجة التشويش على المصلين بما يحدث منهم من بكاء أو صراخ أو لعب، فهذا مردود؛ لأن الصبي إن كان مميزًا أمكن تأديبه وتعليمه السلوك الطيب والأخلاق الحميدة، لا سيما في بيوت الله. فيتعلم الإنصات، وحسن الاستماع، والهدوء؛ لأن ما يسمع من هولاء المميزين من الألفاظ السيئة، والعبارات البذيئة، والحركات التي لا تناسب المسجد إنما هو بسبب إهمال الأولياء، وعدم العناية بهذه الناشئة.
ومن أسباب ذلك: ترك الصغار في الصف متجاورين فيحصل منهم اللعب والحركات التي تشوش على المصلين عمومًا وعلى من يجاورهم خصوصًا. أما إذا فرّق بينهم، أو صلى صبي بجانب وليه فإنه يزول هذا المحذور.
وهذا هو الواجب على الأولياء وجماعة المسجد الذين يكثر الصبيان فيهم، وإن تركوهم وشأنهم صاروا مصدر إزعاج. وقد يصعب علاج الأمر إن لم يتدارك من أوله. وهذا أمر مشاهد وملحوظ. وإن كان الصبي غير مميز فيمكن حمله في الصلاة، كما فعل النبي -ﷺ-، أو تلهيته بشيء من اللعب، كما ثبت في السنة (١). وإذا تقدم الصبيان -ولا سيما المميزون- إلى الصف الأول أو كانوا وراء الإمام فإنه لا ينبغي إبعادهم -على الراجح من قولي أهل العلم- لما يلي:
ما ورد في حديث ابن عمر -﵄- قال: نهى النبي -ﷺ- أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه، وفي لفظ: (أن يقيم الرجل الرجل) (٢)، فهذا نهي صريح في إقامة الرجل أخاه من مكانه ثم يجلس فيه، والصبي المميز داخل في هذا الحكم.
قال القرطبي: (نهيه -ﷺ- عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما كان ذلك لأجل أن السابق لمجلس قد اختص به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه، فكأنه قد ملك منفعة ما اختص به من ذلك، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه ..) (٣).
أن إبقاءهم في أماكنهم فيه ترغيب لهم في الصلاة، واعتياد المسجد. أما طردهم وإبعادهم -كما يفعله كثير من الناس (٤) - فهذا فيه محاذير عديدة منها:
أن هذا مخالف لما كان عليه سلف الأمة، فإنه لو كان تأخير الصبيان أمرًا مشهورًا لاستمر العمل عليه، كتأخير النساء، ولنقل كما نقلت الأمور المشهورة نقلًا لا يحتمل الاختلاف (٥).
_________________
(١) ورد ذلك في حديث الربيع بنت معوّذ -﵂- أخرجه البخاري (٤/ ٢٠٠)، ومسلم (١١٣٦).
(٢) أخرجه البخاري (٩١١)، ومسلم (٢١٧٧).
(٣) المفهم (٥/ ٥٠٩).
(٤) قد يحتج من يرى إبعاد الصبيان عن المساجد بحديث "جنبوا مساجدكم صبيانكم" وقد أخرجه ابن ماجه (٧٥٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٧)، من طريق الحارث بن نبهان حدثنا عتبة عن أبي سعيد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع -﵁- والحارث هنا ضعيف جدًا، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي وأبو حاتم: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: لا يكتب حديثه. ذكر ذلك الذهبي في الميزان (١/ ٤٤٤)، والحديث له شواهد لا يصح منها شيء. انظر: نصب الراية (٢/ ٤٩١).
(٥) حاشية ابن قاسم على الروض المربع (٢/ ٣٤١).
[ ٥٩ ]
وأما ما ورد من أن بعض السلف أخّر الصبي فهو إما رأي صحابي، أو محمول على صبي لا يعقل الصلاة، ويعبث فيها (١).
أن طرد الصبي من الصف الأول يؤدي إلى كسر قلبه، وتنفيره من الصلاة، وبغضه المسجد.
والشارع الحكيم يحرص على ترغيبهم في الصلاة وحضور المسجد.
أن هذا قد يؤدي إلى اجتماع الصبيان في مكان واحد متأخر، وهو سبب في عبثهم وتشويشهم.
أن هذا الصبي يكره الرجل الذي أقامه من مكانه ويحقد عليه، ويدوم على ذكره بسوء؛ لأن الصغير عادة لا ينسى ما فعل به (٢).
ثم إن إحضار الصبيان للمسجد ليس مقصورًا على تعليمهم الصلاة وترغيبهم في المسجد، بل هناك مقاصد أخرى منها:
أن يكون الصبي صغيرًا وليس له في البيت من يرعاه وقت الصلاة فيصحبه المصلي معه. أو يكون الإنسان في السوق أو في الطريق ومعه ابنه فتحضر الصلاة فيدخله المسجد معه. ونحو ذلك مما يعرض ولا سيما في أوقات الصلاة.
أما ما ورد في حديث أبي مسعود -﵁- من قوله -ﷺ-: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣) فهذا لا يفيد تأخير الصغار عن أماكنهم، وإنما هو حث لأولى الأحلام والنهي -وهم أصحاب العقول- على التقدم ليكونوا وراء الإمام، لتنبيهه على سهو إن طرأ، أو استخلاف أحدهم إن احتاج إلى ذلك. ولو كان المراد النهي عن تقدم الصبيان لقال: لا يلني إلا أولو الأحلام والنهي (٤).
وتجوز مصافة الصبي، وذلك بأن يقف معه رجل بالغ في صف واحد، أو يصلي بالغ بعدد من الصبيان، فيكونون صفًا -وهذا على الراجح من قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور- لورود أدلة صحيحة صريحة تفيد ذلك؛ ومن ذلك حديث أنس بن مالك -﵁- أن جدته مليكة -﵂- دعت رسول الله -ﷺ- لطعام صنعته، فأكل منه، فقال: "قوموا فلأصل بكم"، فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبث فنضحته بماء، فقام رسول الله -ﷺ- واليتيم معي، والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين (٥).
فهذا الحديث دليل على جواز مصافة البالغ الصبي؛ لأن هذا اليتيم صفّ مع أنس -﵁- خلف النبي -ﷺ-.
واليتيم: من مات أبوه ولم يبلغ.