دلت نصوص الشريعة على أنه ينبغي لمن صلى الفريضة أن يتحول عن مكانه لصلاة النفل إذا كانت النافلة في المسجد، فإن حصل بينهما بكلام كفى، والمراد به: التحدث مع الآخرين؛ لأنه أبلغ في الفصل، وأبعد عن جنس الصلاة. والحال الأول أكمل، وذلك ليحصل تمييز بين الفريضة والنافلة، وهذا مقاصد الشريعة في مشروعية هذا الحكم. ولا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم، ولا بين الرجل والمرأة، لعموم الأدلة.
وقد دل على ذلك ما ورد عن عمر بن عطاء أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأل عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت من
_________________
(١) = الصلاة" ص (٥٣)، تفسير الطبري (٩/ ٥٦٦)، تحقيق: محمود شاكر، النكت على ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٦٩١)، فتاوى ابن باز (١/ ١٨٦، ١٨٧).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٣٧١)، وأبو داود (١٥٠١)، والترمذي (٣٦٣٥)، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود" وانظر: بلوغ الأماني (١٤/ ٢٢١).
(٣) أخرجه البخاري (٨٤١)، ومسلم (٥٨٣)، وانظر: رسالة: "تحقيق الكلام في مشروعية الجهر بالذكر بعد السلام" لابن سحمان -﵀-.
(٤) انظر: تصحيح الدعاء ص (١٣٤).
(٥) أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٠)، وعزاه المنذري في "الترغيب" (٢/ ٤٥٣)، إلى ابن حبان في كتاب الصلاة، والحديث له طرق، وهو حديث صحيح. فانظر: الصحيحة (٩٧٢).
(٦) ورد ذلك في حديث أبي أمامة المتقدم عند الطبراني في الكبير (٨/ ١٣٤)، بزيادة (وقل هو الله أحد)، قال المنذري: وإسناده بهذه الزيادة جيد (٢/ ٤٥٣). وكذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٠٢).
(٧) أخرجه أبو داود (١٥٢٣)، والنسائي (٣/ ٥٨)، والترمذي (٢٩٠٣)، وقال: حديث حسن.
[ ١٠٨ ]
مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إليّ، فقال: لا تعد لما فعلت؛ إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله -ﷺ- أمرنا بذلك؛ أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج (١).
قال النووي: (فيه دليل لما قاله أصحابنا: إن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها من موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره، ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة، وقوله: "حتى نتكلم" دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام -أيضًا- ولكن بالانتقال أفضل؛ لما ذكرناه، والله أعلم) (٢).
وعن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-: أن رسول الله -ﷺ- صلى العصر، فقام رجل يصلي، فرآه عمر فقال له: اجلس، فإنما هلك الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله -ﷺ-: "أحسن ابن الخطاب" (٣).
وعن ابن عباس -﵄- قال: من صلى المكتوبة ثم بدا له أن يتطوع فليتكلم، أو فليمش، وليصلّ أمام ذلك. قال: وقال ابن عباس: إني لأقول للجارية: انظري كم ذهب الليل؟ ما بي إلا أن أفصل بينهما (٤).
فهذه الأدلة بينت مسألتين:
الأولى: أن الفصل بين الفريضة والنافلة قد يكون بالزمان، وقد يكون بالتحول من مكان إلى مكان، وقد يكون بالكلام، ففي الحديث الأول الفصل بالتقدم من موضع إلى موضع، وفي الثاني الفصل بالزمان، فإن الظاهر أن عمر -﵁- لم يرد بالفصل فصلًا بالتقدم؛ لأنه قال له: اجلس، ولم يقل: تقدم أو تأخر (٥)، وفي حديث ابن عباس ﵄ الفصل بالكلام كما في حديث معاوية -أيضًا- وظاهره أنه لا يحصل الفصل بالذكر بعد الصلاة، وإلا لما احتاج ابن عباس على مخاطبة الجارية (٦). ويمكن أن يحمل هذا على الأكمل، والله أعلم.
وأكمل أنواع الفصل أن يتحول الإنسان إلى بيته فيصلي فيه النافلة؛ لما ورد عن زيد بن ثابت -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٧).
وعن عبد الله بن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا" (٨).
وعن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا قضى أحدكم في الصلاة في مسجده، فيجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا" (٩).
قال القرطبي: (والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنقل فيه هو: عمارته بذكر الله، وبطاعته،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٨٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٤٢٠).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٨) بإسناد صحيح، وأخرجه أبو داود (٣/ ٣٠٩ عون) مطولًا، ولم يذكر أنها صلاة العصر.
(٤) أخرجه عبد الرازق (٢/ ٤١٦) وابن أبي شيبة (١/ ٨٩) وإسناده صحيح.
(٥) انظر: إعلام أهل العصر ص (١١٧).
(٦) انظر: رسالة "حكم الفصل بين الفريضة والنفل" ص (٢١).
(٧) أخرجه البخاري (٧٣١) ومسلم (٧٨١).
(٨) أخرجه البخاري (٤٣٢) ومسلم (٧٧٧).
(٩) أخرجه مسلم (٧٧٨).
[ ١٠٩ ]
بالملائكة، وبدعائهم واستغفارهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة) (١) اهـ.
قلت: ومن الخير الموعود به تربية أهل البيت من الصغار والنساء على محبة الصلاة والعناية بها، والقيام بها على أكمل الوجوه.
المسألة الثانية: مما دلت عليه أحاديث هذا الحكم: أن فيها إشارة إلى الحكمة من الأمر بالتحول من مكان الفريضة أو الكلام بعدها، وهي الفصل بين الفريضة والنافلة والتمييز بينهما (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه -ﷺ- نهى أن توصل صلاة بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام، فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس؛ يصل السلام بركعتي السنة، فإن هذا ركوب لنهي النبي -ﷺ-.
وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة.
ولهذا استحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين. فهذا كله للفصل بين المأمور به من رمضان وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها، وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها.
وأيضًا فإن كثيرًا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة، بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا، فيصلون ظهرًا، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإن حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة) (٣).
وما ذكره الشيخ -﵀- موجودًا الآن لا سيما في الحرمين الشريفين، حيث ترى العدد الكثير من المصلين بمجرد السلام ينهضون لأداء السنة البعدية، ولا ريب أن هذا ارتكاب للنهي، وقد يكون فيهم من أهل البدع، كما ذكر -﵀-.
وقد ذكر العلماء حكمة أخرى وهي تكثير مواضع العبادة، نسب ذلك الشوكاني إلى البخاري والبغوي (٤)؛ لأن مواضع العبادة، تشهد للعابد أخذًا من عموم قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ [الدخان: ٢٩] أي: أن الأرض تبكي على صاحب الطاعة (٥)، وكذا قوله تعالى: ﴿يَؤمَئذٍ تُحَدِّثُ أخبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] أي: تشهد على العاملين بما عملوا على ظهرها، من خير وشر، فإن الأرض من جملة الشهود الذين يشهدون على العباد بأعمالهم (٦). والله أعلم.