وهذا من آداب الخروج إلى المسجد التي نهي المصلي عنها، كما في حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل كذا" وشبك بين أصابعه (٤).
وعن أبي ثمامة الحنّاط أن كعب بن عجرة أدركه وهو يريد المسجد، أدرك أحدهما صاحبه، قال: فوجدني وأنا مشبك بيد، فنهاني عن ذلك وقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة " (٥).
فهذا وما قبله دليل على النهي عن تشبيك الأصابع حال المشي إلى المسجد للصلاة؛ لأن هذا العامد
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٣٩٠).
(٢) المفردات في غريب القرآن ص ٢٣٣، وانظر مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٥٩)، وحاشية السندي على النسائي (٢/ ١١٤)، والتبيان لابن القيم (ص ٦، ٧).
(٣) حديث أبي بكرة أخرجه البخاري (٩٩٣)، وحديث أبي موسى أخرجه البخاري (١٠١٠)، ومسلم (٩١٢).
(٤) أخرجه الدارمي (١/ ٢٦٧)، والحاكم (١/ ٢٠٦)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال الألباني: "وهو كما قالا": (الإرواء: ٢/ ١٠٢).
(٥) أخرجه أبو داود (٥٦٢)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١/ ١١٢).
[ ٥٦ ]
إلى المسجد في حكم المصلي.
قال الخطابي -﵀-: (تشبيك اليد هو: إدخال الأصابع بعضها في بعض، والاشتباك بهما، وقد يفعله بعض الناس عبثًا، وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجده من التمدد فيها، وربما قعد الإنسان فشبك بين أصابعه واحتبى بيديه، يريد به الاستراحة، وربما استجلب به النوم، فيكون ذلك سببًا لانتقاض طهره، فقيل لمن تطهر وخرج متوجهًا إلى الصلاة: لا تشبك بين أصابعك؛ لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها لا يلائم شيء منها الصلاة ولا يشاكل حال المصلي) (١). وقد ورد في حديث أبي هريرة -﵁- في قصة ذي اليدين في موضوع سجود السهو بلفظ: (فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه ) (٢).
ولا منافاة بين هذا وما قبله؛ لأن هذا التشبيك وقع بعد انقضاء الصلاة في حكم المنصرف عن الصلاة، ويكون النهي خاصًا بالمصلي؛ لأن ذلك من العبث وعدم الخشوع، أو بمن قصد ظنه، فهو في المسجد، كما تقدم (٣). ومما يحسن التنبيه عليه أن من المصلين من يعبث بأصابعه يفرقعها بغمز مفاصلها حتى تصوت -كما قال الخطابي- وهذا عبث لا يليق بالمصلي، وهو دليل على عدم الخشوع، إذ لو خشع القلب لخشعت الجوارح وسكنت. وعن شعبة مولى ابن عباس قال: صليت إلى جنب ابن عباس ففقّعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة قال: لا أمّ لك! تفقع أصابعك وأنت في الصلاة! (٤).