يباح الأكل والشرب في المسجد، إلا ما كان له رائحة كريهة كالثوم والبصل والكراث والفجل؛ لأن آكل هذه البقول منهي عن إتيان المسجد كما تقدم في أول الكتاب. والأكل في المسجد إما أن يكون معتكفًا أو غير معتكف
فإن كان معتكفًا فإنه يأكل ويشرب في المسجد، وليس له أن يخرج من أجل الأكل؛ لأن خروجه ينافي الاعتكاف، قال الإمام مالك -﵀-: (أكره للمعتكف أن يخرج من المسجد فيأكل بين يدي الباب، ولكن ليأكل في المسجد، فإن ذلك له واسع)، وقال: إلا يأكل المعتكف ولا يشرب إلا في المسجد، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان لغائط أو بول) (٣).
وأما غير المعتكف فكذلك يجوز له الأكل في المسجد، ولا داعي لتقييد ذلك بالغريب دون غيره، فإن الأدلة عامة، ومن ذلك: ما ورد عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي - قال: أكلنا مع رسول الله -ﷺ- شواء في المسجد، فأقيمت الصلاة، فأدخلنا أيدينا في الحصى، ثم قمنا نصلي، ولم نتوضأ (٤).
وعنه -أيضًا﵁- قال: كنا نأكل على عهد رسول الله -ﷺ- في المسجد الخبز واللحم (٥). ويشهد لذلك أن أهل الصفة كانوا يسكنون في المسجد، وهذا يدل ضمنًا على أن الأكل فيه جائز. وكذا قصة
_________________
(١) انظر: الحاوي (١/ ٨٩).
(٢) الفتاوى الكبرى (١/ ١٥٩).
(٣) المدونة الكبرى (١/ ٣٠٠).
(٤) أخرجه أحمد (٢٩/ ٢٤٣)، والترمذي في "الشمائل" (١٦٦) وابن ماجه من طرق عن ابن لهيعة، وهو وإن كان ضعيفًا لكنه من رواية قتيبة بن سعيد عنه، وروايته عنه صالحة، ثم هو قد توبع كما في الحديث الآتي.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٣٠٠) وابن حبان (١٦٥٧) من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سليمان بن زياد عن عبد الله بن الحارث. وحسنه البوصيري في الزوائد لأنه من رواية يعقوب بن حميد وهو مختلف فيه. لكنه لم ينفرد به فقد رواه عنه ابن ماجه مقرونًا مع حرملة بن يحيى، وحرملة ثقة، وعلى هنا فالإسناد صحيح. انظر: "تمام المنة" ص (٢٩٦).
[ ١٣٠ ]
ربط ثمامة بن أثال -﵁- في المسجد (١) وكذا قصة سعد بن معاذ -﵁- عندما وضع له النبي -ﷺ- خيمة في المسجد يعوده من قريب بعد ما أصيب في غزوة الخندق (٢).
فهذا كله يدل على جواز الأكل في المسجد، إذ لم يشتهر عند الصحابة -﵃- منع الأكل في المسجد، والأصل أنه مباح، فكيف إذا تأيد هذا الأصل بأدلة قوية؟! (٣). وينبغي للآكل في المسجد أن يضع سفرة ونحوها تقع عليها فضلات الأكل، لئلا تلوث المسجد، أو يتناثر شيء من الطعام فتتجمع عليه الهوام (٤). والله أعلم.