من أحكام دخول المسجد التي ينبغي العلم بها أنه لا يشترط اتحاد نية الإمام والمأموم، وأن اختلاف نية الإمام عن المأموم لا يمنع صحة الاقتداء، فالمفترض يأتم بالمتنفل، والمتنفل يأتم بالمفترض، والمفترض يقتدي بمفترض آخر، فهذه ثلاث حالات:
فالأولى: كما لو دخل إنسان المسجد، والإمام يصلي التراويح، فله أن يصلي العشاء خلفه ركعتين، ثم يقوم فيتم ركعتين، وهذا قول الإمام الشافعي وأصحابه، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، رحم الله الجميع (٤)، وذلك لما ورد عن جابر -﵁-: أن معاذًا -﵁- كان يصلي مع رسول الله -ﷺ- العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة (٥).
كما يدل على ذلك -أيضًا- أن الرسول -ﷺ- صلّى بالطائفة الثانية صلاة الخوف، وهي له نافلة، فإنه صلى بطائفة وسلم، ثم صلى بطائفة أخرى وسلم (٦).
وأما حديث "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٧)، فلا دليل فيه على عدم الجواز؛ لأنه محمول على الاختلاف في الأفعال الظاهرة؛ لأن الرسول -ﷺ- فسّره بذلك، كما في تمام الحديث، وعلى تقدير أنه عام في اختلاف النيات والأفعال الظاهرة، فهو مخصوص بمثل حديث جابر المذكور، ولا تعارض بين العام والخاص.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (والذين منعوا ذلك ليس لهم حجة مستقيمة، فإنهم احتجوا بلفظ لا يدل على محل النزاع، كقوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، وبأن "الإمام ضامن"، فلا كون صلاته أنقص من صلاة المأموم، وليس في هذين الحديثين ما يدفع تلك الحجج، والاختلاف المراد به الاختلاف في الأفعال كما جاء مفسرًا ).
وقال -أيضًا-: (فقد ثبت صلاة المتنفل خلف المفترض في عدة أحاديث، وثبت أيضًا بالعكس،
_________________
(١) المغني (٢/ ٥٢١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٩) ومسلم (٤١٤).
(٣) المصنف (٢/ ٢٧٦).
(٤) المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٦٩)، والمغني (٣/ ٦٧)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٨٦).
(٥) رواه البخاري (٦٦٨)، ومسلم (٤٦٥). وانظر: فتاوى ابن باز (١٢/ ١٨١).
(٦) رواه أبو داود (٤/ ١٢٦)، والنسائي (٣/ ١٧٨)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١/ ٢٣٢)، وانظر كلام ابن القيم عليه في تهذيب السنن (٤/ ١٢٦) بهامش عون المعبود.
(٧) تقدم تخريجه.
[ ١١٦ ]
فعلم أن موافقة الإمام في نية الفرض أو التنفل ليست بواجبة، والإمام ضامن وإن كان متنفلًا) (١).
وقال السندي على حديث صلاة الخوف المتقدم: (ولا يخفى أنه يلزم فيه اقتداء المفترض بالمتنفل قطعًا، ولم أر لهم جوابًا شافيًا) (٢).
وأما الصورة الثانية: وهي متنفل يقتدي بمفترض، فكما لو دخل إنسان المسجد فوجدهم يصلون، وقد كان صلى تلك الصلاة، فإنه يصلي معهم وتكون له نافلة. وتقدم بحث هذه المسألة (٣).
وأما الصورة الثالثة: وهي مفترض يقتدي بمفترض آخر، فكما لو دخل إنسان لم يصل الظهر والإمام يصلي العصر، فإنه يصلي وراء إمامه بنية الظهر، ثم بعد فراغه يصلي العصر، لوجوب الترتيب، ولا يسقط خشية فوات الجماعة (٤).
وكذا يجوز أن يصلي الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء خلف من يصلي الفجر، وشرط ذلك: ألا تكون إحدى الصلاتين تخالف الأخرى في الأفعال الظاهرة؛ لحديث "فلا تختلفوا عليه"، فلا يصلي الظهر خلف من يصلي الكسوف -مثلًا- (٥).
وهذا قول الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- لقصة معاذ -﵁- حيث دل الحديث على أن اختلاف النية بين الإمام والمأموم لا يؤثر، فكذلك هنا، اختلاف نية الفريضة من فريضة إلى أخرى لا يؤثر، ومن منع ذلك استدل ما تقدم، والجواب كما سلف، والله أعلم.