اعلم أن النصوص الدالة على مشروعية السترة في الصلاة، وتحريم المرور بين يدي المصلي، ووجوب رد المار تشمل المسجد الحرام، فإنها أدلة عامة لا مخصص لها، بل قد ورد في اتخاذ السترة بمكة عمومًا وفي المسجد الحرام خصوصًا أدلة صريحة تؤيد ذلك.
فمنها حديث أبي جحيفة -﵁- قال: خرج رسول الله -ﷺ- بالهاجرة فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين، ونصب بين يديه عنزة .. الحديث (٤). وقد بوب عليه البخاري ﵀ فقال: (باب السترة بمكة وغيرها).
قال ابن حجر في فتح الباري: (فأراد البخاري التنبيه على ضعف الحديث -أي حديث المطلب الآتي- وأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة) قال: (وهذا هو المعروف عند الشافعية وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها) (٥).
وعن جابر -﵁- في حديثه الطويل في صفة حج النبي -ﷺ- قال: ثم نفذ إلى مقام إبراهيم -﵇- فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت. فذكر صلاته ركعتين (٦).
وعن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك في المسجد الحرام قد نصب عصا يصلي إليها (٧).
وعن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه (٨).
فهذه نصوص صحيحة صريحة في أن اتخاذ السترة في المسجد الحرام ومكة عمومًا مشروع. وعلى هذا فلا يجوز المرور بين يدي المصلي عامة، ولا أعلم دليلًا يستثني المسجد الحرام، والوعيد في الأحاديث عام يستحقه كل من يمر بين مصلّ في أي مكان.
وأما ما ورد عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله -ﷺ- طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى
_________________
(١) انظر فتح الباري (١/ ٥٧٤، ٥٧٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١١٣)، والنسائي (٢/ ٦٣)، وأبو داود (٢٠٢٤)، وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
(٣) شرح السنة (٢/ ٤٤٧).
(٤) أخرجه البخاري (٤٧٩)، ومسلم (٥٠٣).
(٥) فتح الباري (١/ ٥٧٦).
(٦) أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٧).
(٨) أخرجه البخاري معلقًا مختصرًا، وانظر فتح الباري (١/ ٥٨١)، وتغليق التعليق (٢/ ٢٤٧)، وانظر في هذا الأثر وما قبله (حجة النبي -ﷺ-)، للألباني (ص ٢٤)، ط الثالثة.
[ ٨١ ]
ركعتين بحذائه في حاشية المقام، وليس بينه وبين الطواف أحد (١)، وفي رواية: (وليس بينه وبين الطواف سترة)، فهذا قد استدل به من قال: لا سترة في المسجد الحرام.
ولكن هذا الإستدلال غير ناهض؛ لوجوه منها:
الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهله عن جده، ففي إسناده مجهول وهو الواسطة بين كثير وجده وفيه علة أخرى، وهي الاختلاف في إسناده (٢).
الثاني: أنه فعل، وأحاديث الأمر بالسترة قول، وقد تقرر في الأصول أن فعله -ﷺ- لا يعارض القول الخاص بالأمة.
الثالث: أنه معارض بما هو أقوى منه، وهو ملازمة الرسول -ﷺ- اتخاذ السترة سفرًا وحضرًا الثابت بالأحاديث الصحيحة. وكذلك أمره -ﷺ- بالسترة أمرًا صريحًا مطلقًا في نصوص كثيرة -كما تقدم-.
الرابع: أن الثابت في حديث جابر -﵁- وغيره أنه -ﷺ- صلى بعد فراغه من الطواف خلف المقام، فيكون المقام سترة له. قال جابر -﵁-: (وطاف النبي -ﷺ- بالبيت وصلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت ..) (٣) ولهذا قال السندي -﵀- على حديث المطلب: (قلت: لكن المقام يكفي سترة، وعلى هذا فلا يصلح هذا الحديث دليلًا لمن يقول: لا حاجة في مكة إلى سترة، فليتأمل) (٤).
ومن العلماء من يجيز المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام في حال الضرورة (٥) كالزحام الشديد للمشقة، ولا أعلم لذلك دليلًا. لكني أقول؛ ليت الأمر اقتصر في المسجد الحرام على حال الضرورة، كأيام الحج، ورمضان -مثلًا-؛ لأن الواجب على العبد أن يتقي الله ما استطاع، ولكن صار المرور شيئًا عاديًا لدى عموم الناس، حتى إن بعضهم ليمر بين يدي المتنفلين ذهابًا وإيابًا لأدنى حاجة، دون أن يحسّ بحرج، وهذا مما يشاهد ويؤسف عليه، إذ لا ريب أن المرور بين يدي المصلي فيه تشويش عليه وأذية له، فالله المستعان.