اعلم أن الله تعالى أثنى في كتابه العظيم على الخاشعين في صلاتهم. ووعدهم أجرًا عظيمًا فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
ولقد بين النبي -ﷺ- أثر الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها؛ فقال -﵊- في بيان فضل الوضوء وثوابه: "فإن هو قام، وصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهله، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه" (٥).
وعن عمار بن ياسر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها" (٦).
وإن هذا وغيره يحمل المسلم على أن يخشع في صلاته ويقبل على الله تعالى، محاولًا قدر استطاعته التجرد عن كل ما يشغله ويحول بينه وبين الخشوع. يقول ابن كثير -﵀-: (.. والخشوع في
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٢٦٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٧٨)، بإسناد صحيح، كما في "الزوائد" للبوصيري (١/ ١٧٦)، وأخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٨٨).
(٣) أخرجه أحمد (١٣/ ٩٥)، والنسائي (٢/ ١٤٤)، وإسناده صحيح.
(٤) انظر: فتح الباري لابن رجب (٧/ ٩١)، ولابن حجر (٢/ ٢٦٢).
(٥) هذا جزء من حديث طويل، أخرجه مسلم عن عمرو بن عبسة -﵁- (٨٣٢).
(٦) أخرجه أبو داود (٣/ ٣)، والنسائي في "الكبرى" (١/ ٢١١)، وسنده حسن. صحيح الجامع (٢/ ٦٥).
[ ٥٠ ]
الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي -ﷺ-: "حبب إليّ الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة .. ") (١).
وتعتبر المبادرة لحضور المسجد والانقطاع عن مشاغل الدنيا ومتاعبها في تلك اللحظات من أسباب الخشوع في الصلاة وإقبال المصلي على ربه. فإن المصلي كلما طال لبثه في المسجد واشتغل بالصلاة والقراءة والذكر والدعاء قبل إقامة الفريضة حضر قلبه، وسكنت جوارحه، ووجد نشاطًا وراحة وروحًا، فهو يقول: أصلي فأستريح بصلاتي، كما قال النبي -ﷺ-: "يا بلال أرحنا بالصلاة" (٢).
وإنك لترى علامات الهدوء والطمأنينة بادية على وجوه المبادرين حتى إنهم آخر أهل المسجد خروجًا في الغالب، وهم أولهم دخولًا، وانظر إلى حال المتأخرين الذين تفوتهم الصلاة أو بعضها فهم أسرع الناس خروجًا، مما يدل على أن للمبادرة والبقاء في المسجد لانتظار الفريضة أثرًا كبيرًا.
وبعد .. فهذه نبذة لا بأس بها في فضائل المبادرة لحضور الصلاة، لعلك بعد قراءتها أو سماعها تشمر مع المشمرين، راغبًا إلى الله تعالى أن يحقق لك هذه الفضائل، ويمنحك هذه الفوائد، فتكون من المفلحين.