اختلف العلماء في صلاة تحية المسجد وقت النهي، كأن يدخل بعد الفجر أو قبل المغرب، على قولين:
الأول: تصلّى تحية المسجد وقت النهي، وهذا هو الأصح عند الشافعية، ورواية في مذهب الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحم الله الجميع.
وقد بسط ابن تيمية -﵀- أدلة هذا القول، وأيده بما لا مزيد عليه (٤).
القول الثاني: لا تصلى في وقت النهي، وهو مذهب الحنفية والمالكية ورواية عن الإمام أحمد، كما في الإنصاف (٥).
وسبب الخلاف: هوة تعارض العمومين؛ عموم أحاديث تحية المسجد وفيه أمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، وعموم أحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي، كقوله -ﷺ-: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" (٦)، وهذا عام في كل صلاة كما يفيده النفي بـ (لا) التي لنفي الجنس، فتدخل تحية المسجد في هذا العموم المنفي.
فذهب الأولون إلى تخصيص عموم حديث: (لا صلاة بعد الصبح ..) إلخ بحديث تحية المسجد، فأخرجوها من عموم هذا الحديث، فتصلى في أوقات النهي، وذلك لأن حديث (لا صلاة) قد ثبت تخصيصه بغير تحية المسجد، ومن ذلك: قضاء الفوائت؛ لحديث أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "من نسي صلاة فيصلّ إذا ذكرها، لا كفارة إلا ذلك: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] " (٧).
ومن ذلك -أيضًا-: إعادة الجماعة، لحديث يزيد بن الأسود -﵁- قال: شهدت مع النبي -ﷺ- حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في أخرى القوم
_________________
(١) إحكام الأحكام (٤/ ٤٦٨).
(٢) حاشية الصنعاني (٤/ ٤٦٨).
(٣) نيل الأوطار (٣/ ٧٩).
(٤) انظر مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٧٨ - ١٩٩، ٢١٠ - ٢١٧).
(٥) انظر (٢/ ٢٠٨).
(٦) أخرجه البخاري (٥٦١)، ومسلم (٨٢٧).
(٧) أخرجه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٨٤).
[ ٧١ ]
لم يصليا. فقال: "علي بهما"، فجيء بهما ترعد فرائصهما فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا"؟ فقالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة" (١).
فهذا صريح في جواز إعادة الجماعة لمن دخل مسجدًا وأهله يصلون بعد الفجر وهو وقت نهي.
ومن ذلك -أيضًا-: ركعتا الطواف، لحديث جبير بن مطعم -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار" (٢).
فهذه الأحاديث وغيرها مخصصة لعموم حديث "لا صلاة"، وحديث تحية المسجد عام محفوظ لم يدخله التخصيص، وأحاديث النهي ليس فيها حديث واحد عام باق على عمومه، بل كلها مخصوصة، والعام والذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص (٣).
ومما يؤيد إخراج تحية المسجد من عموم النهي غير ما ذكر: أن النبي -ﷺ- أمر بتحية المسجد حال الخطبة، كما سيأتي إن شاء الله. والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد؛ لأن السامع منهي عن كل ما يشغله عن الاستماع حتى الصلاة حيث أمر الشرع بتخفيفها، فإذا فعلت تحية المسجد وقت الخطبة ففعلها في سائر الأوقات أولى (٤).
ثم إن تحية المسجد كغيرها من ذوات الأسباب تفوت إذا أخرت عن وقت النهي ويحرم المصلي ثوابها، وهذا بخلاف النفل المطلق، فإنه إذا منع منه المكلف وقت النهي ففي غيره من الأوقات متسع لفعله، فلا تضييق عليه ولا حرمان، بل قد يكون في المنع من الصلاة في بعض الأوقات مصلحة للمكلف من إجمام نفسه وإقبالها على فعل الطاعة بنشاط، وهذا أمر ملحوظ (٥).
وعلى هذا فتحمل أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المذكورة على ما لا سبب له، كالنفل المطلق، ويخص منها ما له سبب كتحية المسجد. وهذا هو الرأي المختار -إن شاء الله- وبه تجتمع الأدلة، ويعمل بها كلها (٦). والله أعلم.