ومن تمام حسن الهيئة وجمال المظهر أن يكون المصلي طيب الرائحة، بعيدًا عن كل ما له رائحة كريهة، سواء كان من الجسم ذاته أو من أسباب خارجية كالثوم والبصل والكراث، فقد نهى الشرع الإنسان إذا تناول شيئًا من ذلك أن يحضر المساجد؛ لما في حضوره من أذية الملائكة والمسلمين. ودرء هذه الأذية العامة أولى من مراعاة مصلحة هذا الشخص بحضور المسجد؛ لأنه هو السبب في تفويت ذلك على نفسه.
وقد ورد عن جابر -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: "من أكل من هذه الشجرة -يريد الثوم- فلا يغشانا في مساجدنا" (٤).
وعنه -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربنّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (٥).
وعنه أيضًا -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا ويقعد في بيته"، وإن النبي -ﷺ- أُتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحًا، فسأل فأُخبر بما فيها من البقول، فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: "كل فإني أناجي من لا تناجي" (٦).
فهذه نصوص صريحة صحيحة تدل بمفهومها على أن الرائحة الطيبة لا بد منها لمن أراد حضور المساجد. وكذا مصلي العيد (٧)، وتدل كمنطوقها على أن من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا فهو مأمور باعتزال مساجد المسلمين، وجماعتهم، وعدم قربها، وأنه مأمور من قبل الشرع بالجلوس في منزله، عقوبة له حيث فوت على نفسه فضيلة الجماعة، ولم يبال بأذية الملائكة، ولم يراع شعور إخوانه المصلين.
وينبغي أن يفهم المسلم أن إباحة هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة ليس دليلًا على عدم وجوب صلاة الجماعة، بحجة أن الجماعة لو كانت واجبة لحرم جميع ما يمنع حضورها. وذلك لأن كون
_________________
(١) انظر المغني (٢/ ٢٩٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٩٥).
(٣) انظر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (١/ ٣٤٤)، ففيه تعليل للنهي عن تغطية الفم في الصلاة.
(٤) أخرجه البخاري (٨١٦)، ومسلم (٥٦٤).
(٥) أخرجه مسلم (٥٦٤)، (٧٤)، وانظر: (عمدة الأحكام)، تحقيق: محمود الأرناءوط (١٢٤).
(٦) أخرجه البخاري (٧١٨)، ومسلم (٥٦٤)، (٧٣)، واللفظ للبخاري.
(٧) انظر شرح النووي على مسلم (٥/ ٥٢)، وفتح الباري (٢/ ٣٤٣).
[ ٤٠ ]
أكلها يحول دون حضور الجماعة ليس لسقوط الطلب عن المكلف بل هو مطالب بالجماعة، ولكنه منع من حضورها وأمر بالقعود في بيته عقوبة له؛ لوجود المانع وهي الرائحة المؤذية، ألا ترى أن حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قدّم بين يديه وهو محتاج له مع كون ذلك مباحًا، أما إذا أراد إنسان أن يتخذ أكل هذه البقول حيلة لترك الجماعة والصلاة في بيته فإن ذلك يحرم عليه (١).
وهذا الحكم، وهو نهي من أكل ثومًا وبصلًا أن يدخل مساجد المسلمين، خاص بالنَّيئ لأجل رائحته. وأما الثوم المطبوخ الذي ذهبت رائحته فلا مانع منه، لكن إن لم تذهب بقي الحكم، فإن الحكم إذا لم يكن له إلا علة واحدة فإنه يدور معها وجودًا وعدمًا، والشرع علل ذلك بالأذية فمتى وجدت الأذية ترتب الحكم (٢).
وعن قرّة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- نهى عن هاتين الشجرتين وقال: "من أكلهما فلا يقربن مسجدنا"، وقال: "إن كنتم لا بدّ آكليهما فأميتوهما طبخًا" قال: يعني البصل والثوم (٣).
وهذا النهي عن حضور المسجد ليس خاصًا بالجزء الداخلي منه، بل رحبة المسجد وساحته كذلك؛ لأنها من المسجد، وقد ورد عن عمر -﵁- أنه قال: إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أراهما إلا خبيثين: هذا البصل والثوم، ولقد رأيت نبي الله -ﷺ- إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (٤).
وإذا كان هذا هو الحكم الشرعي في كل الثوم والبصل والكراث، وهي من المباحات؛ فكيف يكون حكم شرب الدخان ونحوه وهو محرم شرعًا إذا حضر شاربه مساجد المسلمين وآذاهم برائحته، وقبل ذلك آذى الملائكة المكرمين، وكيف يناجي ربه بتلاوة كلامه وذكره ودعائه بهذا الفم ذي الرائحة الكريهة؟
إن شارب الدخان داخل تحت عموم النهي عن حضور المسجد لمن أكل ثومًا من باب أولى؛ لوجود العلة وهي الأذية بصورة أعظم من أذية أكل الثوم، بل إن شارب الدخان بالإضافة إلى أذيته قد تلبس بأمر محرم مصرًّا عليه، لأنه مضر بالصحة بإخبار الأطباء المعتبرين، وفيه إضاعة المال، وهو مسكر تارة ومفتر أخرى، ولا أدري كيف يرضى هذا المسلم بأذية إخوانه في مساجدهم برائحة جسمه أو ثيابه أو فمه، مما يجعلهم يتضايقون من مجاورته في الصلاة، فيكون سببًا في عدم خشوعهم وتلذذهم بمناجاة الله تعالى، وقد قال النبي -ﷺ-: "من أذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" (٥)، فإذا كان هذا في الطرق فكيف يكون الإيذاء في المساجد؟؟