تسقط تحية المسجد في صور عديدة أهمها ما يلي:
إذا تكرر دخول الإنسان المسجد عدة مرات متوالية، فمن أهل العلم من قال: يكفيه ركعتان، وهو قول الحنفية (٢)، ونقله المرداوي عن ابن عقيل الحنبلي، وعلل ذلك بالمشقة لو صلى لكل مرة (٣).
وقال الأكثرون: تستحب التحية لكل مرة، قال النووي: وهو الأقوى والأقرب على ظاهر الحديث. اهـ (٤). ورجحه الشيخ عبد الرحمن السعدي (٥).
والأظهر أنه يكفيه ركعتان؛ لأن من خرج من المسجد وعاد إِليه عن قرب لم يخرج خروجًا منقطعًا، فلا يعد خروجًا، بدليل أن مثل ذلك لا يقطع اعتكاف المعتكف، أما من خرج خروجًا منقطعًا ولم ينو الرجوع فهذا تشرع له التحية مرة أخرى إن رجع. والله أعلم (٦).
إذا دخل المسجد وجلس قبل التحية، فإن لم يطل الفصل قام وصلى، على الأظهر من قولي أهل العلم (٧)، ويدل لذلك حديث جابر -﵁- قال: بينما النبي -ﷺ- يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال النبي -ﷺ-: "أصليت يا فلان؟ " قال: لا. قال: "قم فصلّ ركعتين" (٨).
قال النووي: (الذي يقتضيه هذا الحديث أنه إذا ترك التحية جهلًا بها أو سهوًا يشرع له فعلها ما لم يطل الفصل، وهذا هو المختار) (٩).
أما إِذا جلس وطال الفصل فمن أهل العلم من قال: إنه فات محلها، وقال آخرون: بل يقوم ويصلي ولو طال الفصل؛ لأن الرسول -ﷺ- أمر سليكًا -كما تقدم- بتحية المسجد بعد جلوسه، ولا تحديد لهذا الفصل، فلا يتركها الداخل حتى ولو جلس فإنه يصليها (١٠).
والقول بأنه إذا طال الفصل لا يصليها لا يخلو من وجاهة، ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"
_________________
(١) الموضوعات الكبرى (ص ١٥٦)، وانظر السلسلة الضعيفة للألباني (٣/ ٧٣).
(٢) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٦٠).
(٣) تصحيح الفروع مع الفروع (١/ ٥٠٢).
(٤) المجموع (٤/ ٥٢).
(٥) الفتاوى السعدية ص (١٦١).
(٦) فتاوى ابن عثيمين (٤/ ٣٥٣).
(٧) أحكام المساجد (٢/ ١٨٨).
(٨) تقدم تخريجه.
(٩) المجموع (٤/ ٥٣).
(١٠) المغني (٢/ ٥٥٤)، أحكام المساجد (٢/ ١٨٨).
[ ٧٦ ]
عن المحب الطبري أنه قال: (يحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال وقتهما قبله أداء وبعده قضاء، ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل) (١).
إذا دخل المسجد وقد أقيمت الفريضة -كما تقدم- أو صلاة نفل كالتراويح، أو صلى مقضية سقطت عنه تحية المسجد؛ لقوله -ﷺ-: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٢).
لأن المقصود من تحية المسجد هو تعظيم المسجد بأي صلاة كانت وشغل بقعة المسجد بصلاة، فقامت الفريضة أو النافلة أو المقضية ونحوها مقام التحية، فلم تبق التحية مطلوبة (٣).
إذا دخل والخطيب يوشك أن ينهي خطبة الجمعة فإنه يقف إلى قيام الصلاة، لكراهة الجلوس قبل التحية، ولا يصليها؛ لأنه مأمور بصلاتها حيث يمكنه ذلك، وفى هذه الحال لا يمكنه أن يصلي، فتسقط عنه، وكذا لو خشي فوات تكبيرة الإحرام، أو الفاتحة، أو الركعة الأولى سقطت عنه تحية المسجد (٤).
إذا دخل المسجد الحرام وهو يريد الطواف سقطت عنه التحية. وقد مضى الكلام على هذه الصورة.
والله أعلم.