يوم الجمعة من أفضل الأيام عند الله تعالى، ادخره الله لهذه الأمة؛ لشرفها وكرمها على الله تعالى، وفيه من الفضائل وله من الخصائص ما جعل النبي -ﷺ- يعظمه ويخصه بعبادات ليست لغيره.
وقد ورد عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "نحن الآخرون ونحن السابقون يوم الجمعة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتياه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد" (٥).
وعنه -أيضًا ﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (٦). وإذا كان الله تعالى فضلنا على سائر الأمم بهذا اليوم الفضيل، فعلينا أن نشكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة التي منّ بها علينا زيادة في ثوابنا ورفعة لدرجاتنا، ومن شكره أن نهتم بهذا اليوم، وأن نستشعر هذه النعمة، وذلك بأن نخص هذا اليوم بمزيد عناية، وأن نجاهد أنفسنا بالطاعة، وأن نتأدب بالآداب الواردة في نصوص الشريعة والتي جاء تقييد الثواب والمغفرة بالتحلي بها.
وإن من فضل الله على عباده كثرة طرق الخيرات وتنوع سبل الطاعات؛ ليدوم نشاط المسلم، ويبقى ملازمًا لخدمة مولاه.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في ذكر خصائص يوم الجمعة: (الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يستحب أن يتفرّغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يومًا يتفرغون فيه للعبادة ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان، ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم سلمت له سائر جمعته، ومن صح له رمضان وسلم سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له صح له سائر عمره. فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق) (٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٧٥) ومسلم (١٧٦٤) في حديث طويل.
(٢) انظر: صحيح البحارى (١/ ٥٥٦ فتح).
(٣) انظر: أحكام المساجد (٣/ ١٥٨).
(٤) انظر: إعلام الساجد ص (٣٢٩).
(٥) أخرجه البخاري (٨٣٦)، ومسلم (٨٥٥).
(٦) أخرجه مسلم (٨٥٤).
(٧) زاد المعاد (١/ ٣٩٨).
[ ١٣١ ]
إن الاهتمام بالطاعة في هذا اليوم شأن الصالحين من سلف هذه الأمة، وأعني به الاهتمام الذي يتحول إلى واقع عملي يرضى عنه المسلم. وأكثر الناس اليوم يرون أن يوم الجمعة يوم نوم وكسل، ومن آثاره التأخر عن الحضور على الجمعة؛ لأنه مسبوق بليلة سهر على ما حرم الله عند غالب الناس. والله المستعان! ولقد استقر في أذهان الناس عمومًا أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، لكنهم لا يعملون بمقتضى علمهم. إن علينا أن نتأسى بالنبي -ﷺ- الذي كان من هديه -كما يقول ابن القيم- تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره (١)، ومن تعظيم هذا اليوم أن نعمل ما شرع لنا من أحكام، وأن نتأدب ما سنّ لنا من آداب.
وقد ورد النهي الأكيد، والوعيد الشديد في التخلف عن صلاة الجمعة والتهاون بحضورها.
فعن أبي هريرة وابن عمر -﵃- أنهما سمعا رسول الله -ﷺ- يقول على أعواد منبره: "لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين" (٢).
وعن ابن مسعود -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا، يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم" (٣).
وعن ابن عباس -﵄- قال: من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره (٤).
والأحاديث في هذا كثيرة (٥)، وفيها دلالة واضحة على عظيم شأن صلاة الجمعة، وأن من تركها أو تساهل بها فهو على خطر عظيم؛ إنه متوعّد بالختم على قلبه، فلا تغشاه رحمة الله تعالى، ولا ألطافه، فلا يزكيه ولا يطهره، بل ييقى دنسًا، تغشاه ظلمات الذنوب والمعاصي.
فعلى من كان متساهلًا بهذه الفريضة العظيمة إما كسلًا أو خروجًا في نزهة أو صيد أو حضور مباراة أو نحو ذلك من الموانع التي ظهرت في هذا الزمان - أن يبادر بالتوبة النصوح، فيقلع ويندم ويعزم على أن لا يعود، عسى الله أن يتوب عليه.