اعلم أن النافلة لا تشرع إذا دخل المسجد والإمام في الفريضة، أو قد شرع المؤذن في الإقامة، أو دخل والصلاة ستقام، فلا تصلِّ تحية المسجد في هذه الحالات؛ وذلك لعموم حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٧). وعند ابن حبان: "إذا أخذ المؤذن في الإقامة" (٨).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨٣)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٢/ ١١٢)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. والفرائص بالصاد: جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها. قاله في النهاية (٣/ ٤٣١).
(٢) أخرجه الترمذي (٣/ ٦٠٤)، والنسائي (١/ ٢٨٤)، وأحمد (٤/ ٨٠)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٨٥، ١٩٥)، وأعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ٣٢٢).
(٤) انظر مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٩٢، ١٩٣).
(٥) انظر مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٨٧، ١٩٦).
(٦) انظر فتح الباري (٢/ ٥٩)، وتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀ عليه-.
(٧) أخرجه مسلم (٧١٠)، وأبو داود (٤/ ١٤٣)، والترمذي (٢/ ٤٨١)، والنسائي (٢/ ١٦).
(٨) صحيح ابن حبان (٣/ ٣٠٧)، ورجال إسناده ثقات.
[ ٧٢ ]
قال النووي: (الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة) (١).
وقال القاضي: (وفيه حكمة أخرى: وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة) (٢).
قال العراقي: (إن قوله "فلا صلاة" يحتمل أن يراد: فلا يشرع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويحتمل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة وإن كان قد شرع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي؛ لإدراك فضيلة التحرم، أو أنها تبطل بنفسها وإن لم يقطعها المصلي، يحتمل كلًا من الأمرين) (٣).
واعلم أنه لا فرق في منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة بين الراتبة أو غيرها، كما أنه لا فرق بين ركعتي الفجر أو غيرهما، وما يتوهمه بعض الناس من جواز ركعتي الفجر ولو كان الإمام في المكتوبة؛ بحجة طول القراءة وأنه يتمكن من أدائها قبل الركوع فهذا غير صحيح، وصلاته باطلة؛ لعموم قوله -ﷺ-: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤). وأداء ركعتين والصلاة قد أقيمت ليس عليه أمر الرسول -ﷺ- فيكون مردودًا على صاحبه، وما كان مردودًا على صاحبه فهو فاسد، كيف وقد نهى النبي -ﷺ- عن ذلك كما تقدم، فيكون أشد ردًا.
وأما ما ورد من زيادة: (فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الصبح) فهي كما قال ابن القيم: (زيادة كاسمها لا أصل لها).
وقال البيهقي: (هذه الزيادة لا أصل لها)؛ وذلك لأن في إسنادها حجاج بن نصير الفساطيطي، وعباد بن كثير الثقفي: (وهما ضعيفان). وفي التقريب: أن الأول ضعيف، والثاني متروك (٥).
لكن إذا أقيمت الصلاة وهو في تحية المسجد، أو في راتبة، فهل يقطعها؟ ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يقطعها؛ لعموم "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". فإن الحديث عام يشمل من شرع في النافلة بعد سماع الإقامة للفريضة، أو كان قد شرع في النافلة وسمع الإقامة بعد ذلك، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن بيان قال: (كان قيس بن أبي حازم يؤمنا فأقام المؤذن للصلاة وقد صلى ركعة، قال: فتركها، ثم تقدم فصلى بنا) (٦).
ولأجل أن يدرك الفريضة من أولها بإدراك تكبيرة الإحرام بعد تكبير الإمام، كما ذكر النووي سابقًا، والرسول -ﷺ- يقول: "إذا كبر فكبروا" (٧) وهذه الجملة تدل على أن تكبير المأموم يقع عقب تكبير الإمام فلا يقارنه ولا يتقدم عليه، بدليل رواية أبي داود: "ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد".
القول الثاني: أنه لا يقطعها بل يتمها، واستدل من قال بهذا بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣].
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٣٠).
(٢) شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (٣/ ٤٦).
(٣) انظر: نيل الأوطار (٣/ ٩٧).
(٤) أخرجه مسلم (١٧١٨)، وأخرجه البخاري تعليقًا في البيوع وموصولًا في الصلح. انظر فتح الباري (٤/ ٣٥٥)، وأخرجه أبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤).
(٥) انظر أعلام الموقعين (٢/ ٣٥٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٨٣)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٦٤).
(٦) المصنف لابن أبي شيبة (٢/ ٧٩).
(٧) أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (٤١١)، وهو من حديث أنس -﵁- وقد ورد اللفظ في حديث أبي هريرة -﵁- ورواه أبو داود (٢/ ٣١٤)، من حديث أبي هريرة.
[ ٧٣ ]
ووجه الدلالة: أن قطع النافلة وعدم إتمامها إبطال للمؤدي، والآية تنهي عن إبطال الأعمال مطلقًا، فيدخل ذلك في عمومها، قال الشوكاني في فتح القدير: (والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال كائنًا ما كان، من غير تخصيص بنوع معين) (١).
وأجابوا عن حديث أبي هريرة -المتقدم- بأن النهي متوجه إلى الشروع في غير تلك المكتوبة. وأما إتمام المشروعة قبل الإقامة فضروري لا اختياري، فلا يدخل في النهي المستفاد من الحديث، عملًا بعموم الآية.
القول الثالث: التفصيل: وهو أنه إذا كان في الركعة الثانية فلا يقطعها بل يتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى فإنه يقطعها؛ لقوله -ﷺ-: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٢). فمن صلى ركعة قبل الإقامة فقد أدرك ركعة من الصلاة سالمة من المعارض الذي هو الإقامة، فيكون قد أدرك الصلاة بإدراكه الركعة فيتمها خفيفة، ومن كان في الركعة الأولى ولو في السجدة الثانية منها فإنه يقطعها؛ لأنه لم تتمّ له هذه الصلاة، ولم تخلص له حيث لم يدرك منها ركعة قبل النهي عن النافلة (٣).
يقول العلامة المباركفوري في شرح المشكاة: (الراجح عندي: أن يقطع عند الإقامة إن بقيت عليه ركعة، فإن أقل الصلاة ركعة، وقد قال النبي -ﷺ-: "لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة" فلا يجوز له أن يصلي ركعة بعد الإقامة، وأما إذا أقيمت الصلاة وهو في السجدة أو التشهد فلا بأس لو لم يقطعها؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صلى صلاة، أكما: ركعة بعد الإقامة ) (٤).
وأما الآية فيجاب عليها بثلاثة أجوبة:
الأول: أنها عامة والحديث خاص، والخاص يقضي على العام، ولا يخالفه، كما في الأصول، فيكون إبطال النافلة بإقامة الصلاة مخصّصًا من عموم الآية بمقتضى الحديث.
الثاني: أن سياق الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] يدل على -والله أعلم- أن الإبطال إنما يكون بمعصية الله تعالى أو معصية رسوله -ﷺ-؛ لأن الآية أمر بطاعة الله وطاعة رسوله ونهي عن المعصية المؤدية إلى إبطال الأعمال.
الثالث: أن قطع النافلة إذا أقيمت الفريضة لا معصية فيه، بل هو عين الطاعة للرسول -ﷺ- القائل: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
قال في المحلى: (فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾! قلنا: نعم هذا حق وما هو أبطلها، ولو تعمد إبطالها لكان مسيئًا. ولكن الله ﷿ أبطلها عليه، كما تبطل بالحدث، وبمرور ما يبطل الصلاة مروره، ونحو ذلك) (٥).
وعلى القول بأنه يقطعها فإنه لا يحتاج إلى تسليم -على أرجح الأقوال- بل يخرج منها ويلحق
_________________
(١) فتح القدير (٥/ ٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٠٧)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) الممتع (٤/ ٢٣٨)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٩٩).
(٤) المرقاة شرح المشكاة (٢ - ٧١).
(٥) المحلى (٣/ ١١٢).
[ ٧٤ ]
بالفريضة التي أقيمت؛ وذلك لأمرين:
الأول: أن التسليم خاص بالصالة الكاملة؛ لحديث علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (١).
الثاني: قوله -ﷺ-: "إذا أحدث أحدكم في صلاته فيأخذ بأنفه ثم لينصرف" (٢) فأمره بالانصراف ولم يأمره بالسلام لوجود هذا العارض الذي قطع صلاته، وإقامة الفريضة عارض تقطع النافلة لأجله، فلم تحصل النافلة الكاملة التي لا يكون الخروج منها إلا التسليم. والله أعلم.