للاجتماع المشروع في العبادات شأن كبير عند الله تعالى، وله فوائد كثيرة اجتماعية وفردية دينية ودنيوية، ومن هذه الاجتماعات صلاة الجماعة في المسجد، يجتمع فيه أهل المحلة الواحدة كلّ يوم وليلة خمس مرات. فيحصل التواصل والتعاون، ويظهر عز الإسلام وقوة المسلمين.
يتم في هذا الاجتماع تعليم الجاهل، وتنشيط العاجز، والتعاون على البر والتقوى والتنافس في أعمال الخير؛ من العطف على الفقير والعاجز وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي تعود على الفرد والمجتمع بالخير والبركة.
ولقد كثرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب صلاة الجماعة وأدائها مع عباد الله في المساجد التي بنيت لها، وأنه ليس لأحد من عباد الله رخصة إذا سمع النداء أن يدع الجماعة ويصلي في منزله أو مكان عمله إلا من عذر.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
ووجه الدلالة من الآية على أن صلاة الجماعة واجبة: أن الله تعالى أمر بإقامة صلاة الجماعة وهم في حالة الحرب والخوف. ولو كانت الجماعة سنة -كما يقول بعض الناس- لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف. ولكن لما أمر الله تعالى بها في هذه الحال، وسمح بأن يترك لها أكثر واجبات الصلاة دل ذلك على أن وجوبها في حال الأمن أولى، وإلا فلو صلوا فرادى لم يكونوا بحاجة إلى ترك بعض الواجبات، فإن هذه الأمور وغيرها تبطل الصلاة لو فعلت بغير عذر.
ثم تأمل كيف دلت الآية الكريمة على أن صلاة الجماعة فرض عين وليست فرض كفاية وإلا لسقطت عن الطائفة الثانية بفعل الطائفة الأولى (٣).
_________________
(١) انظر: العمارة في صدر الإسلام، ص (٢٦)، المساجد بين الاتباع والابتداع ص (١٦).
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين -﵀- (١٣/ ٣٣٨).
(٣) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم ص (١١٢)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٢٧).
[ ٣١ ]
وانظر كيف جاز الجمع بين الصلاتين للمطر وتقديم الصلاة الثانية عن وقتها لأجل الجماعة، لو كان فعلها في البيت جائزًا لما جاز الجمع لذلك؛ لأن أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت فإن الإنسان غالبًا لا يخلو أن تكون عنده زوجة أو ولد أو صديق أو نحوهم، فيمكنه أن يصلي كل صلاة في وقتها جماعة، فلما جاز الجمع علم أن المقصود بالجماعة جماعة المسجد، وأن حضور المساجد واجب على الأعيان إلا بعارض يجوز معه ترك الجماعة (١).
وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
قال ابن الجوزي: أي: صلوا مع المصلين. وقال أبو بكر الكاساني: (أمر الله تعالى بالركوع مع الراكعين، وذلك يكون في حالة المشاركة في الصلاة، فكان أمرًا بإقامة الصلاة بالجماعة، ومطلق الأمر لوجوب العمل) (٢).
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣].
قال ابن كثير ﵀: (لما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة إذا تجلى الرب -﷿- فسجد له المؤمنون لا يستطع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خرّ لقفاه، عكس السجود، كما كانوا في الدنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون) (٣). وعليه فإجابة الداعي هي إتيان المسجد، كما قال -ﷺ- للأعمى: (أجب) (٤)، والله أعلم.
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (٥).
ووجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- همّ بتحريق بيوت المتخلفين عنها عليهم. ولا يهم بهذه العقوبة إلا من أجل ترك واجب، وهو حضور الجماعة. وإلا فالظاهر أنهم يصلون في بيوتهم؛ لقوله: "لا يشهدون الصلاة". وفي رواية: "فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد". أي: بعد أن يسمع النداء إليها أو بعد أن يبلغه التهديد المذكور (٦).
وعن عبد الله بن مسعود -﵁- أنه قال: (من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهنّ، فإن الله شرع لنبيكم -ﷺ- سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم،
_________________
(١) انظر: كتاب الصلاة ص (١٣٧).
(٢) زاد المسير (١/ ٧٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٥٥)، وانظر: كتاب الصلاة لابن القيم ص (١١٣).
(٣) تفسير ابن كثير (٨/ ٢٢٥).
(٤) كتاب الصلاة لابن القيم ص (١١٢).
(٥) أخرجه البخاري (٦٢٦)، ومسلم (٦٥١).
(٦) انظر كتاب الصلاة لابن القيم ص (١١٤)، وانظر فتح الباري (٢/ ١٤١).
[ ٣٢ ]
وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف) (١).
فتأمل أولًا كيف جعل ابن مسعود -﵁- الصلاة في البيوت وترك المساجد تركًا للسنة، وترك السنة ضلال وانحراف. ومثل هذا لا يقال بالرأي، ولا ضلال إلا بترك شعيرة من شعائر الدين، مما يدل على أن المساجد من أعظم شعائر الدين، وأنها ما بنيت إلا ليصلي فيها.
ثم تأمل ثانيًا: كيف أجمع الصحابة -﵃- على أن ترك صلاة الجماعة في المسجد من علامات النفاق، حيث قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) ولا يوصف بالنفاق من ترك سنة، بل من ترك فريضة أو فعل محرمًا (٢).
ثم تأمل ثالثًا: تعظيم الصحابة -﵃- لأمر الجماعة حيث إن الرجل المريض يؤتى به وقد مسك رجلان بعضديه حتى يقام في الصف، مما يدل على تأكيد صلاة الجماعة وتحمل المشقة في حضورها. وإذا كان هذا في حق المريض، فكيف يكون الحكم في حق المعافى الآمن الذي يتقلب صباح مساء في نعم الله تعالى، ثم يقابل ذلك بالتخلف عن صلاة الجماعة، فهل هذا من الشاكرين؟
وقد ثبت عنه -ﷺ- تفضيل صلاة الرجل في المسجد جماعة على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك ما يرويه لنا أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "صلاة الرجل في الجماعة تضعّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلّ عليه، اللهم ارحمه! ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" (٣).
وهذا أجر عظيم، وثواب جزيل، لا يفرط فيه ويكتفي بدرجة واحدة إلا محروم اتبع هواه، وزهد فيما عند الله من الأجر، نسأل الله السلامة. وهذه المضاعفة لصلاة الجماعة في المسجد لأوصاف ثلاثة دل عليها الحديث:
الوصف الأول: إحسان الوضوء، وذلك -والله أعلم- بأن يتوضأ كوضوء النبي -ﷺ-.
الوصف الثاني: الخروج إلى المسجد بنية خالصة لا يخرجه إلا قصد الصلاة في الجماعة.
الوصف الثالث: المبادرة إلى صلاة ما كتب له من حين يصل إلى المسجد. والتضعيف المذكور في الحديث مرتب على هذه الأوصاف الثلاثة، وما رتب على أوصاف متعددة لا يوجد بوجود بعضها، إلا إذا دلّ الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا أو ليس مقصودًا لذاته (٤).
بهذه الأوصاف الثلاثة يحصل المصلي على ثلاث فوائد عظيمة وهي:
_________________
(١) رواه مسلم (٦٥٤).
(٢) انظر كتاب الصلاة لابن القيم ص (١٢٠).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٠)، ومسلم (٦٤٩).
(٤) فتح الباري (٢/ ١٣٥).
[ ٣٣ ]
الأولى: أن لا يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة.
الثانية: أن الملائكة تصلي عليه ما دام في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد تقول: (اللهم صلّ عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه).
ومن قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة كان كذلك -إن شاء الله-؛ لأن قوله: "في مصلاه" خرج مخرج الغالب، وهذا هو الظاهر (١)، وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله.
الثالثة: أنه لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة.
ولا ريب أن هذه الفوائد لا يحصل عليها ويظفر بها إلا من صلى مع الجماعة في المسجد، أما من صلى في بيته منفردًا أو في جماعة فإن هذه المزايا لا تحصل له؛ فإن قوله -ﷺ-: "ثم خرج إلى المسجد" وصف لا يجوز إلغاؤه، وعليه فالتضعيف خاص بمن صلى في المسجد (٢).
وهناك بشارة عظيمة لمن صلى مع الجماعة، يرويها لنا عن نبي الهدى والرحمة -ﷺ- ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان -﵁- ونصها: "من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر له ذنوبه" (٣). فقوله -ﷺ-: "ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة" مؤيد لقوله في الحديث المتقدم: "ثم خرج إلى المسجد".
ولقد زهد في هذا الثواب العظيم كثير من الناس في زماننا هذا مع كثرة المساجد وقربها من البيوت، فصاروا يتخلفون عن صلاة الجماعة عمومًا، أو عن صلاة الفجر خصوصًا، ثم يذكرون أعذارًا لا تنفعهم عند الله، وهم يتقلبون في نعم الخالق من المال والصحة والمسكن والأمن.
إن النبي -ﷺ- لم يرخص لعبد الله بن أم مكتوم -﵁- في التخلف عن صلاة الجماعة، مع وجود أعذار ستة، دلت عليها النصوص (٤)، وإليك بيانها؛ لتعلم تأكيد الإسلام لصلاة الجماعة، ولتعلم أن هذه الأعذار لو كانت موجودة لديك فلا رخصة لك في التخلف، ولو وجد عذر واحد فقط فلا رخصة لك من باب أولى، فكيف وليس لك عذر؛! اقرأها أو اسمعها وكن منصفًا ..:
١ - العذر الأول: كونه فاقد البصر.
٢ - العذر الثاني: عدم وجود قائد يرافقه إلى المسجد. وقد دل على هذين العذرين حديث أبي هريرة -﵁- قال: أتى النبّي -ﷺ- رجل أعمى، فقال: يا رسول الله إنه ليس لى قائد يقودني إلى المسجد.
فسأل رسول الله -ﷺ- أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة"؛ فقال: نعم، قال: "فأجب" (٥).
٣ - العذر الثالث: بُعْدُ داره عن المسجد. وقد دل عليه ما رواه عبد الله بن أم مكتوم -﵁- أنه سأل
النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله! إني رجل ضَريرُ البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلاومني (لا يلايمني) فهل في رخصة أن أصلي في بيتي؟
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ١٣٦)، وانظر: الموطأ (١/ ١٦١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٢).
(٤) انظر كتاب (أهمية صلاة الجماعة)، للدكتور: فضل إلهي ص (٤٦)، وما بعدها.
(٥) أخرجه مسلم (٦٥٣).
[ ٣٤ ]
قال: "هل تسمع النداء"؟
قال: نعم.
قال: "لا أجد لك رخصة" (١).
ما أعظم صلاة الجماعة! إنه أعمى، وداره بعيدة، ولا قائد له، لكن يجب عليه أن يصلي في المسجد ما دام أنه يسمع النداء. نعم داره بعيدة، وله عذر، فكيف بمن داره قريبة، وهو مبصر، وصوت المؤذن يخترق أجواء بيته؟؟ ورحم الله الإمام ابن خزيمة على تبويبه لهذا الحديث بقوله: (باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة وإن كانت منازلهم نائية عن المسجد لا يطاوعهم قائدهم بإتيانهم إياهم المساجد. والدليل على أن شهود الجماعة فريضة لا فضيلة، إذ غير جائز أن يقال: "لا رخصة في ترك الفضيلة") (٢).
٤ - العذر الرابع: وجود شجر ونخل بينه وبين المسجد. وقد دل علي ذلك ما رواه ابن أم مكتوم -أيضًا﵁؛ أن رسول الله -ﷺ- أتى المسجد، فرأى في القوم رقة فقال: "إني لأهُمُّ أن أجعل للناس إمامًا، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه".
فقال ابن أم مكتوم -﵁-: يا رسول الله! إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؛ قال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم، قال: "فأتها". (٣).
٥ - العذر الخامس: وجود الهوام والسباع في المدينة. وقد دل على ذلك ما رواه ابن أم مكتوم أيضًا -﵁-، قال: يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي -ﷺ-: "تسمع حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح. فحيّ هلا" (٤) أي: أقبل وأجب.
٦ - العذر السادس: كبر سنه ورق عظمه. وقد دل عليه ما ورد عن أبي أمامة -﵁- قال: أقبل ابن أم مكتوم -﵁-، وهو أعمى، وهو الذي نزل فيه: ﴿عَبَس وَتَوَلى (١) أن جَآءَهُ الأعمَى﴾ وكان رجلًا من قريش - إلى رسول الله -ﷺ-، فقال له: يا رسول الله! بأبي وأمي، أنا كما تراني، قد دَبَرَتْ سني، ورقّ عظمي، وذهب بصري، ولي قائد لا يلايمني قيادتي إياي، فهل تجد لي من رخصة أصلي في بيتي الصلوات؟ قال: "هل تسمع المؤذن من البيت الذي أنت فيه"؟ قال: نعم. يا رسول الله! قال رسول الله -ﷺ-: "ما أجد لك من رخصة". ولو يعلم هذا المتخلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوا على يديه ورجليه" (٥).
إن جميع ما تقدم دليل واضح وبرهان قاطع على أن حضور الجماعة في المساجد واجب، وأنه لا رخصة في التخلف عنها إلا من عذر يمنع الحضور، ولو كان التخلف سائغًا أو الحضور ندبًا لكان أولى من
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٥٧)، وقال عنه النووي: (رواه أبو داود بإسناد صحيح أو حسن)، [شرح المهذب ٤/ ١٩١]. وقوله: (لا يلايمني) أصله: يلائمني بالهمز أي: يوافقني ثم خفف الهمز فصار ياء، وقد جاء في رواية بالواو [النهاية لابن الأثير ٤/ ٢٧٨].
(٢) صحيح ابن خزيمة (٢/ ٣٦٨).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤/ ٢٤٥). قال في بلوغ الأماني (٥/ ١٧٨): (وأخرجه ابن خزيمة (١٤٧٩)، والحاكم (١/ ٢٤٧)، وصحح إسناده وأقره الذهبي)، وله شاهد من حديث أبي هريرة، ﵁ وقد تقدم في أول الكلام.
(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٥٧)، والحاكم (١/ ٢٤٧)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٢٤٧).
[ ٣٥ ]
يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم -﵁-، وإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة (١).
إن الجماعة في نظر الشارع هي جماعة المسجد لا جماعة البيوت ولا غيرها. والتضعيف خاص بجماعة المسجد -كما تقدم- ومن صلى في بيته مع أهله أو غيره واعتقد أنه صلى في جماعة وأنه ينال التضعيف فاعتقاده بمعزل عن الصواب. ومما يدل على أن الجماعة تكون في المساجد دون البيوت أن السلف من الصحابة -﵃- ومن بعدهم إذا طمعوا في إدراك جماعة المسجد لم يكونوا يصلونها في البيوت، بل كان الواحد منهم إذا فاتته الجماعة في مسجده ذهب إلى آخر. قال البخاري -﵀- في صحيحه: (وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر) (٢). وعن معاوية بن قرة قال: (كان حذيفة -﵁- إذا فانته الصلاة في مسجد قومه يعلق نعليه ويتبع المساجد حتى يصليها في جماعة) (٣).
وهكذا فعل سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى- (٤).
فيا أخي حافظ على صلاة الجماعة، وكن من عمار ييوت الله تعالى، وبادر لحضور المسجد، ففي ذلك الأجر العظيم، والخير الكثير في الدنيا والآخرة، وإياك والكسل في عبادة عظيمة، هي من أشرف العبادات وأفضل الطاعات، وستجد -إن شاء الله- ثواب صلاتك، ومحافظتك على الجماعة أحوج ما تكون إليه والله يتولى الصالحين.