من التشويش على المصلين وأذيتهم قبل إقامة الصلاة: تخطي رقابهم ورفع الأرجل فوق رؤوسهم، مع استكمال الصفوف وخلوها من الفرج، ولا سيما في يوم الجمعة، أو في المساجد التي يكثر فيها المصلون في غير الجمعة. وقد نهى النبي -ﷺ- عن تخطي الرقاب، فقال للذى رآه يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة: "اجلس فقد آذيت" (١).
وهذا الحديث من أقوى ما ورد في الزجر عن التخطي، كما قاله الحافظ في الفتح (٢).
وقد وقع التصريح في حبوط ثواب الجمعة للمتخطي في حديث ابن عمرو -﵄- مرفوعًا: "من لغا أو تخطى كانت له ظهرًا" (٣).
قال ابن وهب -أحد رواته-: معناه: أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة (٤).
والحديث المذكور فيه تقييد النهي عن التخطي بيوم الجمعة، وظاهر ذلك أن النهي مختص به.
ويحتمل أن يكون التقييد بيوم الجمعة خرج مخرج الغالب؛ لاختصاص يوم الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات، وعليه فلا يختص النهي عن التخطي بيوم الجمعة، بل يكون عامًا لجميع الصلوات، ويؤيد ذلك قوله -ﷺ-: "فقد آذيت" فعلّل أمره بالجلوس بالأذية، وهي لا تختص بيوم الجمعة.
قال النووي: (ينهي الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيره عن تخطي رقاب الناس من غير ضرورة) (٥).
وجاء في الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى) (٦).
وهل تخطي الرقاب يوم الجمعة محرم أو مكروه؟ من أهل العلم من قال بالكراهة، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة. ومنهم من قال: بالتحريم.
قال النووى: إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة. اهـ (٧)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، قال في الإنصاف: (والظاهر أن الذم إنما يتوجه إلى فعل محرم) اهـ (٩). وقال في بلوغ الأماني: (وهو الذي أميل إليه وأختاره) (١٠).
وإذا ترك المتقدمون إلى الصفوف الأول فرجًا أو صفّوا في آخر المسجد وتركوا بين أيديهم صفوفًا
_________________
(١) تقدم الحديث في الكلام على تحية المسجد.
(٢) فتح الباري (٢/ ٣٩٢).
(٣) يأتي بتمامه، ويذكر تخريجه في أحكام الجمعة إن شاء الله تعالى.
(٤) فتح الباري (٢/ ٤١٤).
(٥) المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٤٦)، ونيل الأوطار (٣/ ٢٨٧).
(٦) الاختيارات (ص ٨١).
(٧) بلوغ الأماني (٦/ ٧٤).
(٨) الإنصاف (٢/ ٤١١).
(٩) الإنصاف (٢/ ٤١١).
(١٠) بلوغ الأماني (٦/ ٧٤).
[ ١٢٤ ]
خالية فلا حرمة لهم؛ لتقصيرهم. ولا بد من تخطيهم لتكميل الصف الأول، أو لسد فرجة في الصفوف الأول، ولا يعد ذلك من الأذى؛ لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم، وهذا هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وقيده الشافعية بتخطي رجل أو رجلين، وهو رواية عن الإمام أحمد، وخصّ المالكية ذلك بما قبل جلوس الإمام على المنبر، وأما بعده فلا؛ لأن تأخره عن وقت السعي قد أبطل حقه في التخطي إلى الفرجة. ودليل ذلك حديث عبد الله بن بسر المتقدم: "فقد آذيت وآنيت" أي: تأخرت، وهذا قريب من مذهب الحنفية (١)، والله أعلم.