ومن الأذية: مضايقة المصلين المتقدمين ومزاحمتهم في أماكنهم بحيث يفقدون الراحة في صلاتهم وقراءتهم، وهذا يكثر فيمن يأتون يوم الجمعة متأخرين، فيجمعون بين التخطي والمضايقة والتأخر. وتكثر المضايقة في الحرمين الشريفين، كما في الجمعة، والعيد، وشهر رمضان المبارك، حتى أن بعض الداخلين المتأخرين يجلس أمامك ويمنع بدنك راحته، ومنهم من يدخل الصف قسرًا، بحيث لا يستطيع المصلي وضع يديه على صدره، ولا أداء صلاته براحة، وهذا من الجفاء، وعدم احترام المصلين المتقدمين، وهو من قلة الفقه في الدين.
إن المطلوب من المتقدمين أن يتفسحوا ويتوسعوا للداخل إن أمكن ذلك؛ امتثالًا لقوله -ﷺ-: "ولكن توسعوا" وتقدم بتمامه. وهذا دليل التواضع المقتضي للمحبة، والنفوس جلبت على حب من أحسن إليها. وليس من خلق المسلم أن يكون جشعًا فيأخذ من الأمكنة ما يزيد عن حاجته، ويأنف أن يفسح لغيره، ويجمع بين سوء القول وقبح الفعل.
والمطلوب من المتأخرين أن يحبوا لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم. وليفرض كل واحد منهم أن يكون هو المتقدم وزاحمه غيره. إن الإسلام لا يريد المضايقة حيث لا يمكن التفسح، ومن تعاليم هذا الدين الحنيف لأبنائه أن يجلسوا حيث ينتهي بهم المجلس، وذلك فيما رواه جابر بن سمرة -﵁- قال: كنا إذا أتينا رسول الله -ﷺ- جلسنا حيث ننتهي (٢).