ومن التشويش على المصلين قبل الإقامة: رفع الصوت بقراءة القرآن بحيث يتأذى بجهره القارئ والمصلي، وقد نهى النبي -ﷺ- عن ذلك، فعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: اعتكف رسول الله -ﷺ- في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قبة له، فكشف الستر، وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفعن بعضكم على بعض بالقراءة" أو قال: "في الصلاة" (٣).
وعن البياضي (فروة بن عمرو) -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض
_________________
(١) المغني (٣/ ٢٣١)، والإنصاف (٢٤١١)، والمجموع (٤/ ٥٤٥)، والمنتقى للباجي (١/ ٢٠٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٣/ ١٧٣)، والترمذي (٧/ ٥١٢)، وقال: هنا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣/ ٩١٦).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)، وأبو داود (٤/ ٢١٣)، قال الألباني: (وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين) انظر الصحيحة (٤/ ١٣٤).
[ ١٢٥ ]
بالقرآن" (١).
فهذان الحديثان فيهما نهي القارئ والمصلي عن رفع الصوت بالقراءة، لما في ذلك من أذية الآخرين من قارئ أو مصلّ أو ذاكر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (ليس لأحد أن يجهر بالقراءة لا في الصلاة ولا في غير الصلاة إذا كان في المسجد وهو يؤذيهم بجهره) (٢). وقال في جواب له: (ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع من ذلك، والله أعلم) (٣). أما إذا كان القارئ لا يتأذى بجهره أحد فقد جاءت الأحاديث بجواز الجهر؛ لا سيما إذا كان القارئ يأمن على نفسه من الرياء وطلب الشهرة، ويتأكد الجهر إذا كان على سبيل التعليم.
ولا ريب أن الجهر أحيانًا فيه إيقاظ القلب وتجديد النشاط وانصراف السمع إلى القراءة وتعدي نفعها إلى السامعين (٤).
ويجوز رفع الصوت بالقرآن في الليل، بل ذلك مستحسن إذا لم يؤذ أحدًا، وأمن من الرياء، وعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ-: سمع رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: "يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا" (٥).