إن المرور بين يدي المصلي وسترته حرام؛ لأنه تشويش عليه وإشغال لباله وهو يناجي ربه، وقد عبّر بعض العلماء بالكراهة، والمراد التحريم (٦)، فإنه قد ثبت فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد؛ فقال النبي -ﷺ-: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه"، قال أبو النّضر: لا أدري أقال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة؟ (٧).
والمراد بما بين يدي المصلي: أن المصلي إن كان له سترة فما بينه وبين سترته محرم، لا يحل لأحد أن يمر منه، وإن لم يكن له سترة؛ فإن كان للمصلي سجادة يصلي عليها فإن هذه السجادة محترمة لا يحل لأحد أن يمر بين يدي المصلي فيها، وإن لم يكن له مصلى فإن المحرم ما بين قدمه وموضع سجوده فلا يمر بينه وبين هذا الموضع (٨).
ويكثر المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام حتى ولو كان المار له مندوحة عن المرور بين يدي أخيه، ومن الناس من يتساهل في المرور بين يدي المصلين الذين يقومون لقضاء ما فاتهم.
ويشرع للمصلي رد المار بين يديه سواء صلى إلى سترة أم لا، على الأظهر من قولي أهل العلم؛ لحديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٨٠). ويشهد له حديث أبي سعيد المذكور قبله، وانظر: التمهيد (٢٣/ ٣١٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦١).
(٣) المصدر السابق (٢٢/ ٢٠٥).
(٤) انظر التببان للنووي (ص ٧١).
(٥) أخرجه البخاري (٩/ ٨٤)، ومسلم (٧٨٨).
(٦) التمهيد (٤/ ١٨٧)، فتح الباري (١/ ٥٨٦)، تحفة الأحوذي (٢/ ٣٠٥).
(٧) أخرجه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٧).
(٨) انظر: فتح الباري (١/ ٥٨٥).
[ ١٢٦ ]
الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فيدفعه، فإن أبى فيقاتله، فإنما هو شيطان" (١).
وعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين" (٢)، ففي حديث أبي سعيد تقييد دفع المار فلم يقيد بوضع السترة، وفي حديث ابن عمر أطلق دفع المار فلم يقيد بوضع المصلي سترة وكذا ورد في حديث أبي سعيد عند البخاري في رواية له (٣)، لأن التقييد بوضع السترة قيد أغلبي، ولا تعارض بين المطلق والمقيد، فالمقيد يبقى على تقييده، فيدفع إن اتخذ سترة، ويبقى المطلق على إطلاقه، فيرد ولو لم يتخذ سترة، لأن المصلي مأمور بالصلاة إلى سترة، ومأمور بدفع المار سواء امتثل فوضع سترة أم لا (٤).
والمراد بالمقاتلة: الدفع بعنف وقهر، لا جواز القتل؛ لأن هذا اللفظ خرج مخرج التغليظ، والمبالغة في كراهة المرور (٥).