ومن التشويش بعد الإقامة ما يقوم به بعض الناس، ولا سيما الشباب، في بعض المساجد من تبادل الأحاديث ورفع الصوت بذلك، فتفوتهم تكبيرة الإحرام مع الإمام، وكذلك قراءة الفاتحة فإذا ركع الإمام أسرعوا وآذوا المصلين بأصواتهم وحركاتهم، وهذا التصرف ينبئ عن تساهل بالصلاة من جانب، وعدم رعاية المصلين من جانب آخر، وإذا كان من يصلي نافلة مأمورًا بقطعها -على أحد الأقوال كما تقدم- لأجل أن يدرك الفريضة من أولها، مع أنه في عبادة، فكيف حال من يتأخر عن أول الفريضة من أولها، مع أنه في عبادة، فكيف حال من يتأخر عن أول الفريضة وشغله القيل والقال بل وأذية الآخرين؟!
ثم لا أدري ما حكم هذه الركعة التي ترك فيها هذا المتساهل قراءة الفاتحة مع إمكانه؟ تقدم الخلاف في هذه المسألة، لكني أخشى بطلان هذه الركعة التي لم يقرأ فيها هذا المصلي الفاتحة تساهلًا وتشاغلًا لأن الخلاف ينبغي أن يكون فيمن دخل المسجد فوجد الإمام في الركوع فركع معه، فهذا معذور بفوات محل القراءة وهو القيام، أما هذا فلم يمتثل قول الرسول -ﷺ- "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا" فهو لم يكبر مع إمامه، ولم يقرأ دعاء الاستفتاح، ولم يقرأ الفاتحة مع إمكانه، فأي ركعة هذه؟ بل وأي صلاة هذه؟
ومن المأمومين من اعتاد رفع الصوت في أثناء الصلاة بالقراءة أو الذكر أو الدعاء فيشوش على من بجانبه ويخلّط عليه، وإذا كان هذا بصفة دائمة فهو خلاف السنة، فإن السنة المخافتة باتفاق المسلمين، لا سيما إذا كان الجهر فيه أذية.
لكن لو جهر المأموم أحيانًا بشيء من الذكر فلا بأس، فقد ثبت أن من الصحابة المأمومين من جهر بدعاء حين افتتاح الصلاة، وعند رفع رأسه من الركوع ولم ينكر عليه النبي -ﷺ-، فقد ورد عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي -ﷺ-، فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده" قال
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥).
(٢) أخرجه مسلم (٥٠٦).
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٧٤).
(٤) انظر: فتح الباري (١/ ٥٨٢).
(٥) انظر: التمهيد (٤/ ١٨٩)، شرح السنة (٢/ ٤٥٦).
[ ١٢٧ ]
رجل وراءه ربنا ولك الحمد، حمدًا طيبًا مباركًا فيه فلما انصرف قال: "من المتكلم"؟ قال: أنا، قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" (١).
قال في فتح الباري: (استدل به على جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه) (٢) اهـ.
وهذا إذا لم يكن بصفة دائمة وإلا حصل التشويش قطعًا (٣). ومن التشويش أن يكبر المسبوق بصوت مرتفع إذا أراد الدخول في الصلاة، وقد يكون المصلون مع الإمام في السجود، فإذا سمعوا تكبير المسبوق ظنوه تكبير الإمام فرفعوا رؤوسهم قبل أن يرفع الإمام من السجود (٤). ومن التشويش على المصلين -أيضًا- عدم إغلاق الوسائل الحديثة للاتصال كجهاز الهاتف النقال، والنداء، فينبغي للمصلي إغلاقها قبل دخوله المسجد، لئلا يشوش على نفسه وعلى غيره من إخوانه المصلين.
وما تقدم من النهي عن الكلام في المسجد لا يعنى أن الكلام يحرم فيه بل هو مباح -على الراجع من قولي أهل العلم- إذا خلا من المحاذير السابقة، وهي التشويش على المصلين أو الإعراض عن الصلاة والتشاغل عنها، لكن لا بد من ملاحظة أن المساجد لم تبن إلا لذكر الله تعالى والصلاة، وما يتبع ذلك من تدريس العلم، وموعظة الناس، وقد ورد عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله -ﷺ-؟ قال: نعم، كثيرًا كان لا يقوم من مصلاه، الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويبتسم (٥).
قال القرطبي: (هذا الفعل منه -ﷺ- يدل على استحباب لزوم موضع صلاة الصبح، للذكر والدعاء إلى طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت وقت لا يصلّى فيه، وهو بعد صلاة مشهودة، وأشغال اليوم بعد لم تأت، فيقع الذكر والدعاء على فراغ قلب وحضور فهم، فيرتجى فيه قبول الدعاء، وسماع الأذكار ..).
ثم نقل عن بعض العلماء كراهة الحديث في هذا الوقت، وأن قوله "وكانوا يتحدثون .. " فصل آخر من سيرة أخرى في وقت آخر .. ثم قال: (وهذا فيه نظر، بل يمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلمون؛ لأن الكلام فيه جائز غير ممنوع، اذ لم يرد في ذلك منع، وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر الله تعالى أفضل وأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوب الترك في ذلك الوقت. والله تعالى أعلم) (٦).