تشترك الحائض مع الجُنُب في جميع أحكامه التي مرَّت، وتختلف عنه في الصوم والوطء والطلاق، فالجُنُب إن أصبح صائمًا أتمَّ صومه، في حين أن الحائض لا تُتمُّ صومها، والجُنُب من الرجال والنساء يجوز لهم الجماع في حين يحرم وطء الحائض، والجُنُب من النساء يجوز طلاقها، في حين أن الحائض لا يحل طلاقها.
ونذكر أحكام الحائض بشيء من التفصيل:
[ ١ / ٣٠٥ ]
١- عدم المُكث في المسجد وجواز المرور فيه فقط. دليل عدم المُكث هو ما روته عائشة ﵂ قالت «جاء رسول الله - ﷺ - ووجوه بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي - ﷺ - ولم يصنع القوم شيئًا رجاءَ أن تنزل فيهم رُخْصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جُنُب» رواه أبو داود وابن خُزَيمة وحسَّنه ابن القطَّان. وقد مرَّ في بحث [أحكام الجُنُب] .
أما دليل جواز اجتياز الحائض المسجد فما رُوي عن ميمونة ﵂ أنها قالت «كان رسول الله - ﷺ - يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حِجْرها، فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخُمْرته فتضعها في المسجد وهي حائض » رواه أحمد والنَّسائي. وما رُويَ عن عائشة ﵂ أنها قالت «قال لي رسول الله - ﷺ -: ناوليني الخُمْرة من المسجد، قالت: فقلت إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. والخُمْرة هي السجادة أو الحصير الذي يُسجد أو يُصلى عليه. والاستدلال واضح بالحديثين.
وقد ذهب إلى ما ذهبنا إليه زيد بن ثابت ومالك والشافعي وأحمد وأهل الظاهر. وذهب سفيان وأبو حنيفة ومالك في رواية عنه إلى عدم جواز العبور للحائض مستدلين بقوله - ﷺ - «لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا جُنُب» فنرد عليهم بأن هذا الحديث عام، وحديثا ميمونة وعائشة يستثنيان الاجتياز من عموم النهي، والأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى وقفة أطول.
٢- تجوز للحائض مخالطة الناس ومحادثتهم والأكل والشرب والنوم وسائر الأعمال المعاشية إلا ما استثناه الشرع مما يأتي من المحظورات، والأدلة من الأحاديث ما يلي:
[ ١ / ٣٠٦ ]
أ- الحديث المار الذي رواه أنس عن سبب نزول الآية ﴿ويَسْأَلونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ الذي يقول «إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت » أي لم يأكلوا معهن، ولم يخالطوهن، فنزلت الآية، وفسرها الرسول ﵊ بقوله: اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح، أي افعلوا ما كانت تتركه يهود مما ذُكر في صدر الحديث وأكثر منه سوى النكاح.
ب- عن عائشة ﵂ قالت «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي - ﷺ - فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق العَرْق وأنا حائض، ثم أُناوله النبي - ﷺ - فيضع فاه على موضع فيَّ» رواه مسلم وأحمد. قوله أتعرَّقُ العَرْق: أي آكل ما على العظم من لحم.
ج - عن عبد الله بن سعد قال «سألت رسول الله - ﷺ - عن مؤاكلة الحائض، فقال: واْكِلْها» رواه أحمد. ورواه الترمذي وقال (حسن غريب) . والحديث يدل على مؤاكلة الحائض.
٣- لا يجوز للحائض الصلاة والطواف ومسُّ المصحف وقراءة القرآن. دليل ترك الصلاة ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «إن فاطمة بنت أبي حُبيش سألت النبي - ﷺ - قالت: إني أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا إن ذلك عِرْق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلِّي» رواه البخاري ومسلم.
[ ١ / ٣٠٧ ]
أما ما الذي تصليه الحائض بعد الطُّهر، فقد أجاب عن هذا السؤال ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف ﵄، فابن عباس قال (إذا طهُرت الحائض بعد العصر صلَّت الظهر والعصر وإذا طهُرت بعد العشاء صلَّت المغرب والعشاء) وعبد الرحمن قال (إذا طهُرت الحائض قبل أن تغرب الشمس صلَّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت قبل الفجر صلَّت المغرب والعشاء) . قال الإمام أحمد مُعقِّبًا على القولين: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن. فسماهما قولًا، وهو صحيح، وذلك أنهما طلبا من الحائض أن تصلي الفرضين الذين يسبقان الطهر، ولا أرى ذلك منهما إلا أخذًا بالأحوط، وإلا فإن الواجب عليها صلاة الفرض الذي يعقب الطهر لا الذي يسبقه.
ودليل عدم الطواف هو ما مر في فصل الجنابة من أن الطواف صلاة فيرجع إليه، وأيضًا ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سَرِفَ فطمِثتُ، فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقال ما يُبكيك؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال: مالكِ لعلكِ نَفِستِ؟ قلت: نعم. قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاجُّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري » رواه مسلم وأحمد. وروى أحمد وأبو داود والترمذي من طريق عبد الله بن عباس عن النبي - ﷺ -
«أن النُّفَسَاء الحائض تغتسل وتُحْرِم وتقضي المناسك كلها غير أن لا تطوف بالبيت حتى تطهر» وقال الترمذي (حسن غريب) .
ودليل عدم مسِّ المصحف هو دليل عدم مسِّ الجُنُب للمصحف «لا يمس القرآن إلا طاهر» والحائض ليست طاهرة لقوله تعالى ﴿حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ مِن حيثُ أمركم الله﴾ وللحديث المار وفيه «لا تطوفي بالبيت حتى تطهُري» .
[ ١ / ٣٠٨ ]
أما أن الحائض لا تقرأ القرآن، فقال الترمذي (هو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم مثل: سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجُنُب من القرآن شيئًا إلا طرفَ الآية والحرفَ ونحوَ ذلك ) وروى الدارمي في سننه بطريق الرواية عن إبراهيم وسعيد بن جبير وعامر، وعن عمر بن الخطاب وأبي العالية قولهم بمثل قول من ذكرهم الترمذي، أي لا تقرأ الحائض شيئًا من القرآن.
ولسنا نستدل بما رُوي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال «لا يقرأ الجُنُب ولا الحائض شيئًا من القرآن» رواه الترمذي وابن ماجة والدارقطني. لأنه حديث ضعيف لضعف إسماعيل بن عيَّاش إذا روى عن الحجازيين أو العراقيين، وفي هذا الحديث روى عن موسى بن عقبة وهو حجازي، فلا يصلح للاحتجاج. ورواه الدارقطني أيضًا من طريق عبد الملك بن مسلمة وهو ضعيف، ومن طريق جابر وفيه يحيى بن أبي أنيسة وهو ضعيف.
٤- ذكرنا في أحكام الجُنُب أن الذَّكَر إذا أنزل أول مرة انتقل لمرحلة الرجولة ودخل في جماعة المكلَّفين، ونذكر هنا أن الأنثى إذا حاضت حيضتها الأولى انتقلت لمرحلة البلوغ ودخلت في جماعة النساء المكلَّفات، وجرى عليها ما يجري على سائر النساء من أحكام. فقذفُ المنيِّ من الذَّكَر، وحيض الأنثى كلاهما علامة على البلوغ والدخول في مرحلة التكاليف الشرعية، فيحرم على الأنثى عندئذ كشف ما سوى الوجه والكفين لقوله تعالى ﴿ولا يُبدين زينتَهنَّ إلا ما ظهر منها﴾ وقد رُوي بطرق صحيحة عن عمر وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس أنهم فسروها بالوجه والكفين.
ويَحْرُم على الحائض - أي من بلغت سن البلوغ - الخَلوة بالرجال الأجانب، لما روى ابن عباس عن النبي ﵌ قال «لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم » رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من التكاليف والأحكام.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقد سبق في بحث أحكام الجُنُب البند التاسع علامات البلوغ عند الذَّكَر والأنثى، وأقل سنٍّ للحيض وأعلى سنٍّ لانقطاع الحيض، وما أرى أن تعتبره دولة الخلافة وعلماء المسلمين من السنٍّ الدالة على البلوغ، فيُرجع إليه.