[ ١ / ١٧٥ ]
١- يُسن للمسلم إذا أراد الدخول إلى المرحاض أن يقدِّم رجله اليسرى، ويؤخِّر اليمنى تكريمًا لها، ويقول [بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث] لما روى أنس بن مالك «كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» رواه البخاري وأحمد ومسلم والتِّرمذي والنَّسائي. وفي رواية للبيهقي بلفظ «إذا أراد أن يدخل» . ورواه ابن أبي شيبة بلفظ «كان إذا دخل الكنيف قال: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» بزيادة «بسم الله» . يشهد لهذه الزيادة ما رُوي عن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله» رواه ابن ماجة بسند صحيح. قوله الخُبُث: أي ذُكْران الجن. وقوله الخبائث: أي إناثُهم. وإذا خرج الشخص قدَّم الرِّجل اليمنى إكرامًا لها وأخَّر اليسرى وقال [غُفْرانَك] لما روى يوسف بن أبي بُردة قال: سمعت أبي يقول: دخلت على عائشة فسمعتها تقول «كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج من الغائط قال: غُفرانَك» رواه ابن ماجة والترمذي وأحمد وأبو داود وابن خُزَيمة.
٢- الأصل في المراحيض والحمَّامات أن يكون فيها ماء، أو أن يكون الماء قريبًا منها، والمستحبُّ أن يستنجي بالماء لأنه أبلغ في الإنقاء، ولكن إن استجمر بالأحجار في البيت جاز له ذلك، وإنْ جمع بين الأحجار والماء جاز له ذلك أيضًا، لأن الأحاديث ورد فيها الأمران.
[ ١ / ١٧٦ ]
٣- يكره له أن يبول في مُسْتَحَمِّه، وهو المكان الذي يستحم فيه عادة، لأن البول ربما بقي على أرض الحمَّام، فإذا استحمَّ فيه أصابه منه رشاشٌ فتنجَّس، وقد نهى الرسول ﵊ عنه، فعن عبد الله بن مغفَّل قال: قال رسول الله - ﷺ - «لا يبولَنَّ أحدُكم في مُستَحَمِّه، فإنَّ عامَّة الوسواس منه» رواه ابن ماجة والنَّسائي وأبو داود وأحمد والترمذي. وهذا إن لم يكن للمُسْتَحَمِّ بالوعةٌ أو لم تكن أرضه ليِّنة تشرب البول فإن كان هذا أو ذاك فلا كراهة.
٤- يجوز التبول في الأواني للحاجة خاصةً لمن به مرض، للحديث الذي روته أُميمة بنت رُقَيْقة قالت «كان للنبي - ﷺ - قدح من عَيْدانٍ تحت سريره يبول فيه بالليل» رواه البيهقي وأبو داود والنَّسائي. قوله العَيْدان: أي خشب النخل. ولما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «يقولون: إن النبي - ﷺ - أوصى إلى علي لقد دعا بالطَّسْت ليبول فيها فانْخَنَثَتْ نفسُه وما أشعر، فإلى مَن أوصى؟» رواه النَّسائي والبيهقي. ورواه مسلم والبخاري من طريق الأسود بن يزيد قال «ذكروا عند عائشة أن عليًا كان وصيًَّا فقالت: متى أَوْصَى إليه؟ فقد كنت مُسْنِدَتَه إلى صدري، أو قالت: حَجْري، فدعا بالطَّست، فلقد انخنثَ في حَجْري وما شعرت أنه مات، فمتى أَوْصَى إليه؟» .
[ ١ / ١٧٧ ]
٥- يجوز للمسلم البول جالسًا وقائمًا أيَّهما فعل جاز ولكن إن كانت الأرض التي يبول عليها صلبة، وخشي من رشاش البول بال جالسًا، فقد رُوى عنه - ﷺ - أنه بال واقفًا في مكان رخو، فعن أبي وائل قال «كان أبو موسى يُشدِّد في البول ويبول في قارورة ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جِلدَ أحدهم بولٌ قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة: لَوَدِدْتُ أن صاحبكم لا يُشدد هذا التَّشديد، فلقد رأيتُني أنا ورسول الله - ﷺ - نتماشى، فأتى سُباطةً خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، فبال فانتبذت منه، فأشار إليَّ، فجئت فقمت عند عَقِبِه حتى فرغ» رواه مسلم والبخاري وأحمد. قوله سُباطة: أي كُناسة ومزبلة. ورُوي أنه - ﷺ - بال جالسًا، فعن عبد الرحمن بن حَسَنة قال «خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كهيئة الدَّرَقة فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة » رواه النَّسائي والبيهقي. قوله الدَّرَقة: أي التُّرس إذا كان من الجلد.
[ ١ / ١٧٨ ]
أما حديث جابر بن عبد الله قال «نهى رسول الله - ﷺ - أن يبول الرجل قائمًا» رواه البيهقي وابن ماجة. فهو ضعيف جدًا، في سنده عدي بن الفضل وهو متروك متفق على تضعيفه. وأما ما رُوي أن عائشة ﵂ قالت «مَن حدَّثكم أن رسول الله - ﷺ - بال قائمًا فلا تُصدِّقوه، ما كان يبول إلا جالسًا» رواه النَّسائي وأحمد وابن ماجة والترمذي. فلا يقوى على معارضة حديث حذيفة، لأن حديث حذيفة أصح من حديث عائشة الذي فيه شَرِيك، وشريك صدوق يخطيء كثيرًا، على أن حديث عائشة يدل على مبلغ علمها فحسب، وهي تحدَّثت عن بول الرسول ﵊ جالسًا ولم تره يبول واقفًا، والمعلوم أن الرجل يبول جالسًا في الكنيف، ويبعُد جدًا أن يبول فيه قائمًا لصلابة أرضه عادة، ولذا فإنه ﵊ لم يكن يبول في الكنيف إلا جالسًا، وهذا ما علمت به عائشة ورأته وتحدثت عنه، فلا ينفي بولَه ﵊ في العراء واقفًا لرخاوة الأرض هناك، وبذلك فلا تعارض بين الحديثين. قال ابن حجر (لم يثبت عن النبي - ﷺ - في النهي عن البول قائمًا شيء) .
والخلاصة هي أن البول قائمًا يجوز كجواز البول جالسًا، ويتحرَّى في الحالتين ألا يصيبه رَشاش البول.