الخِتان بكسر الخاء: مصدر ختن بمعنى قطع. والخَتْن بفتح وسكون: قطعُ بعضٍ مخصوصٍ من عضوٍ مخصوصٍ. قال الماوَرْدي: ختان الذَّكَر قطعُ الجلدة التي تغطي الحَشَفَة. وقال: ختان الأنثى قطع جلدة تكون في أعلى فرجها كالنَّواة أو كعرف الديك. ويسمى ختان الرجل والمرأة إعذارًا، وختان الأنثى خاصة خَفْضًا. والمُجْزِيء في ختان الذكر قطع جميع القُلْفة بحيث لا يبقى منها شيء وتنكشف الحَشَفَة كلها. وقد وردت في الختان الأحاديث التالية:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقَدُوم» رواه أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي. والقَدُوم: هي الأداةُ المعروفة.
٢ - رُوي عن سعيد بن جبير أنه قال «سُئل ابن عباس: مِثل مَن أنت حين قُبض النبي - ﷺ -؟ قال: أنا يومئذٍ مختون، قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك» رواه البخاري.
[ ١ / ٢٠٧ ]
٣ - عن عُثَيم بن كليب عن أبيه عن جده «أنه جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: قد أسلمتُ، قال: ألقِ عنك شعَر الكفر، يقول: احلق، قال: وأخبرني آخر معه أن النبي - ﷺ - قال لآخر: ألق عنك شعر الكفر واختتن» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي.
٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - «إذا جلس بين شُعَبها الأربع ومسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. ورواه الترمذي ولفظه «إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغُسل» وقال حديث حسن صحيح.
٥ - عن جابر ﵁ قال «عَقَّ رسول الله - ﷺ - عن الحسن والحسين، وختنهما لسبعة أيام» رواه البيهقي.
٦ - عن أم عطية الأنصارية «أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي - ﷺ - لا تُنْهِكي، فإنَّ ذلك أحظى للمرأة وأحبُّ إلى البعل» رواه أبو داود والبيهقي.
٧ - عن ابن عمر قال «دخل على النبي - ﷺ - نسوة من الأنصار فقال: يا نساء الأنصار اختضبْنَ غَمْسًا واخفِضْنَ ولا تُنْهِكْن، فإنه أحظى عند أزواجكن، وإياكم وكُفرَ المُنعَمين» رواه البزَّار. قوله لا تنهكن: أي لا تبالغن في القص.
٨ - عن أبي المليح بن أُسامة عن أبيه أن النبي ﵌ قال «الختان سُنَّة للرجال مَكْرُمةٌ للنساء» رواه أحمد والبيهقي وأبو داود.
وقد افترق الأئمة والفقهاء في حكم الختان للرجال والنساء على النحو التالي: فقال الشافعي إنه واجب في حق الرجال والنساء، ورُوي عن ابن عباس التشديد في ذلك وأنَّ مَن لم يختتن لا حجَّ له ولا صلاة. وقال أبو حنيفة ومالك إنه سُنَّةٌ لهما. وقال أحمد إنه واجب على الرجال دون النساء. ورُوي عن الحسن أنه رخَّص في تركه، وقال: قد أسلم الناس الأسود والأبيض ولم يُفتَّش أحدٌ منهم ولم يختتنوا.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقد احتج الأوَّلون - الشافعي ومن قال بقوله - بحديث أبي هريرة الأوَّل وبحديث عُثَيم الثالث، وبحديث أم عطية السادس على وجوب ختان الأنثى، قائلين إنه لولا أن الختان كان واجبًا في حق إبراهيم الخليل لما اختتن وهو في سن الثمانين، وكون القرآن الكريم يقول ﴿أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ حنيفًا﴾ فهو دليل على وجوب الاختتان. وهذه الأدلة هي أدلة الفريق الثالث نفسها في حق الرجال دون النساء باستثناء الحديث السادس.
واحتج الفريق الثاني بحديث أبي المليح الثامن، لأن الحديث عندهم وصف ختان الرجال بأنه سُنَّة، ووصف ختان النساء بأنه مَكرُمة، وهو بمعنى السُّنَّة أيضًا. وبهذا الحديث استدل الفريق الثالث على رأيهم في ختان النساء بأنه سُنَّة، وزاد الفريق الأول والفريق الثالث على ما سبق القول إن كشف العورة حرام ولا يجوز ذلك إلا لأمرٍ واجب، ولولا أن الختان واجب لما جاز ختان البالغ وكشف عورته، والحديث الثاني دليل على ختان البالغين. هذا مجمل آرائهم واستدلالاتهم.
ونحن قبل النظر في هذه النصوص من حيث الاستدلال لا بد لنا من النظر فيها من حيث صحة الإسناد وعدمها فنقول: حديث عُثيم الثالث فيه انقطاع، وعُثيم وأبوه مجهولان، قاله ابن حجر وابن القطان، فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. وحديث أم عطية اختُلِف فيه على عبد الملك بن عمير، فقيل عنه عن الضحاك، وقيل عنه عن عطية القُرَظي، وقيل غير ذلك، ثم هو معلول بمحمد بن حسَّان، قال أبو داود (ومحمد بن حسان مجهول وهذا الحديث ضعيف) فهو إذن غير صالح للاحتجاج. وحديث عبد الله بن عمر السابع أيضًا ضعيف ضعَّفه ابن حجر والبخاري، وقال الهيثمي (فيه مندل ابن علي وهو ضعيف) وحديث أبي المليح الثامن، قال البيهقي (هو ضعيف) وأعلَّه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم فلا يصلح للاحتجاج. فتبقى الأحاديث التالية: الأول والثاني والرابع والخامس.
[ ١ / ٢٠٩ ]
أما الحديث الأول فليست فيه دلالة على وجوب الاختتان، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يفعلون الواجبات كما يفعلون المندوبات، فإن قال قائل إن اختتان إبراهيم ﵊ وهو في سن الثمانين يدلُّ على الوجوب قلنا: إن اختتانه ﵊ وهو في سن الثمانين يدل على عدم الوجوب، إذ لو كان واجبًا عليه لما أخَّره إلى هذا الوقت. وثانيًا إنَّ شَرْع مَن قبلنا ليس شرعًا لنا، واختتان إبراهيم لو صح فهمه على أنه واجب فإن المسلمين غير مخاطبين بالاقتداء به فيه. فإن قال قائل إن القرآن طالبنا بالاقتداء به أجبناه بأن الآية التي استشهد بها لا تدل على دعواه، لأن اتباع ملَّة إبراهيم غير اتباع شريعته فنحن مأمورون باتباع ملَّةِ إبراهيم وملَّةِ عيسى وملَّةِ موسى وملَّةِ نوح، وهي كلها ملة واحدة، ومعنى الملة أصل الدين والتوحيد، وهذا هو المقصود بالآية الكريمة ﴿إنَّ الدِّين عند الله الإسلام﴾ فالدين والملَّة والتوحيد شيء واحد عند جميع الأنبياء، ولكننا لسنا مأمورين باتِّباع شرائعهم، لأنَّ لكلِّ نبي شريعةً تغاير شريعة الآخر. فنحن المسلمين لسنا مخاطبين باتباع الشرائع سوى شريعة الإسلام. قال تعالى ﴿لكلٍّ جعلنا مِنْكُمْ شِرْعةً ومِنْهاجًا﴾ . والختان من الشريعة وليس من العقائد فلا يدخل في طلب الآية. فالآية والحديث لا يدلان على ما ذهبوا إليه، ولا يدل الحديث إلا على العلم فقط بأن سيدنا إبراهيم ﵇ قد اختتن وهو ابن ثمانين سنة دون أية إضافة أُخرى.
[ ١ / ٢١٠ ]
أما الحديث الرابع فهو تقريرٌ لواقعٍ موجود عند المسلمين، وهو أنهم كانوا يختتنون، وهذا أمرٌ لا نشك فيه، ولا يشك فيه أحد من المسلمين، فقول الحديث «ومسَّ الختانُ الختانَ» يدل على أن المسلمين يختتنون رجالًا ونساء، ولا يدل على وجوب ولا ندب، بل هو لا يبحث حكم هذه المسألة أصلًا. وكذلك الحديث الخامس هو من القبيل نفسه يدل على أن المسلمين يختتنون، وقد أضاف إضافة جديدة هي أن اختتان الحسن والحسين حصل في سن مبكرة هي اليوم السابع، وهو خلاف ما جاء في الحديث الثاني، وهذه واقعة عين، وواقعة العين لا عموم لها، ولا يؤخذ منها تعميمٌ للحكم على غيرها، بمعنى أن الحسن والحسين خُتنا في اليوم السابع، وهذا الفعل من الرسول ﵊ لا يفيد أمرًا منه للمسلمين أن يختنوا أبناءهم وهم في سنِّ اليوم السابع.
أما ما استشهد به القائلون بوجوب الاختتان من أن كشف العورة لا يكون إلا
[ ١ / ٢١١ ]
لواجب - وهم يعنون به ختان البالغين - فنجيبهم بأن ذلك غير لازم، فالشرع قد حرَّم النظر إلى بدن المرأة والكشف عنه، ومع ذلك فقد أجاز للشاب الباحث عن خطيبة له أن ينظر إلى أي عضو من أعضاء الفتاة التي يرغب في الزواج منها، بل وأن يكشف عن العضو الذي يرغب في رؤيته من بدن فتاته. فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فلْيفعل، قال: فخطبتُ جارية من بني سلمة، فكنت أختبئ لها تحت الكَرَب حتى رأيت منها بعضَ ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها» رواه أحمد وأبو داود. فهذا نصٌّ صريح في جواز نظر الخاطب إلى أي عضو من المرأة التي يرغب في خطبتها، فقول الحديث «ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها» عام لم يخصِّصه نصٌّ في هذا الباب، فله أن ينظر إلى شعرها وصدرها ورقبتها وساقها وساعدها إن كان يرغب في معرفة ذلك من زوجته المقبلة، وكل ذلك مباح رغم أن الخطبة غير واجبة، فضلًا عن خطبة فلانة بالذات، فهنا أجاز الشرع النظر إلى عورة المرأة لأمرٍ غير واجب هو الخطبة والزواج.
[ ١ / ٢١٢ ]
أما ما يقوله بعض الفقهاء من أن المطلوب في هذا الحديث هو النظر إلى الوجه فحسب فهو قول متهافت، وهو قولٌ يُلغي العمل بالحديث ويبطله، ويجعله من لغو القول، لأن النظر إلى الوجه جائز دونما حاجة إلى هذا النص. ثم إن راوي الحديث يقول إنه كان يختبئ للفتاة حتى رأى منها ما دعاه لنكاحها، ولا يُتصوَّر أن جابرًا كان يختبيء لهذه الفتاة بين النخيل حتى يرى وجهها فحسب. ثم قد ذكر أبو جعفر قال «خطب عمر إلى علي ابنته فقال إنها صغيرة، فقيل لعمر: إنما يريد بذلك منعها، قال - أي أبو جعفر - فكلَّمه فقال عليٌّ: أَبعثُ بها إليك فإن رضيتَ فهي امرأتُك، قال فبعث بها إليه، قال: فذهب عمر فكشف عن ساقها فقالت: أَرسِل، فلولا أنك أميرُ المؤمنين لصككتُ عنقَك» رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور. وبذلك يسقط قولهم إن كشف العورة لا يكون إلا لواجب، وبسقوط هذه الشبهة تسقط جميع شُبُهاتِهم وحُججِهم في وجوب الختان، فلا يبقى إلا أن الختان من سنن الفِطرة، وأنه يُقام به لأجل النظافة والحدِّ من قوة الشهوة، وهذه طبعًا ليست واجبة.