[ ١ / ١٨١ ]
السِّواك - بكسر السين - يطلق على الفعل، ويطلق على العود أو الشيء الذي يُتسوَّك به فيقال ساك فمه يسُوكُه سَوْكًا إذا نظَّفه بالسواك، والجمع سُوُكٌ ككُتُب، هذا في اللغة. ولا يختلف تعريفه في اللغة عنه في اصطلاح الفقهاء، فقد عرفوه بأنه استعمال عود ونحوه في الأسنان لإزالة ما يعلق بها من فضلات الطعام، وما يعلوها من صُفرة. وقد وردت في السواك الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال «السِّواك مَطْهرةٌ للفم مرضاةٌ للرَّبِّ» رواه أحمد والنَّسائي وابن حِبَّان وابن خُزَيمة. وصحَّحه النووي.
٢- عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» رواه مسلم والبخاري وابن خُزَيمة وأبو داود والترمذي. وفي روايةٍ لأحمد « لأمرتهم بالسواك مع الوضوء» . وفي رواية للبيهقي « لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» .
٣- عن المِقْدام بن شريح عن أبيه قال «سألت عائشة قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي - ﷺ - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسِّواك» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والنَّسائي والبيهقي.
٤- عن حذيفة قال «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام ليتهجَّد يشُوصُ فاهُ بالسواك» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
٥- عن علي بن أبي طالب ﵁ « فقال ائتني بكوز من ماء، فغسل كفَّيه ووجهه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، فأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح رأسه واحدة فقال: أين السائل عن وضوء رسول الله - ﷺ -؟ كذا كان وضوء نبي الله - ﷺ -» رواه أحمد وحسَّنه ابن حجر.
٦- عن عامر بن ربيعة ﵁ قال «رأيت رسول الله - ﷺ - ما لا أعُدُّ وما لا أُحصي يستاك وهو صائم» رواه أحمد وأبو داود. ورواه الترمذي وحسَّنه هو وابن حجر.
[ ١ / ١٨٢ ]
٧- عن أبي سعيد ﵁ قال «أشهد على رسول الله - ﷺ - قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يَستنَّ، وأن يمَسَّ طيبًا إن وجد» رواه البخاري ومسلم وأحمد.
ووردت أحاديث أخرى، إلا أننا نكتفي بهذه الأحاديث السبعة لأن فيها الغُنية.
هذه الأحاديث كلها تفيد مشروعية السواك، وتحثُّ عليه وتندب إليه حتى عدَّه الفقهاء من السُّنن المؤكَّدة. قال النووي (بإجماعِ مَن يُعتدُّ به في الإجماع) وتشدَّد داود وإسحق بن راهُويه في السواك، فرُوي عن داود أنه قال بوجوبه في الصلاة، إلا أن الصلاة لا تبطل بتركه، وقال إسحق بن راهُويه إنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا.
والسواك مسنون في كل وقت لهذه الأحاديث، ولقد أحسن النووي في بحثه لهذا الموضوع بقوله (السواك مستحبٌّ في جميع الأوقات، ولكن في خمسة أوقات أشد استحبابًا: أحدها عند الصلاة سواء كان متطهِّرًا بماء أو تراب أو غير متطهِّر، كمن لم يجد ماء ولا ترابًا، الثاني عند الوضوء، الثالث عند قراءة القرآن، الرابع عند الاستيقاظ من النوم، الخامس عند تغيُّر الفم، وتغيُّره يكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب، ومنها أكل ما له رائحة كريهة، ومنها طول السكوت، ومنها كثرة الكلام) .
[ ١ / ١٨٣ ]
أما أن السواك مندوب وليس فرضًا، فلأن الحديث الأول يقول «مرضاة للرب» ولا تكون مرضاة الله سبحانه إلا بالقيام بواجب أو بمندوب، فجاء قوله ﵊ في الحديث الثاني «لولا أن أشقَّ على أمتي» قرينة تصرف الأمر إلى الندب، وعلى ذلك يُحمل الحديث السابع على إفادة الندب، والحديث الخامس يدل على أن التسوك لا يجب له عود الأراك ولا حتى فرشاة بل يكفي فيه إمرار الأصابع على الأسنان «فأدخل بعض أصابعه في فيه» وروى أنس أن رسول الله - ﷺ - قال «تُجْزِيء من السواك الأصابع» رواه البيهقي من عدة طرق. ورواه ابن عدي والدارقطني. وقال فيه ابن حجر (لا أرى بسنده بأسًا) فإذا كانت الأصابع تكفي لنيل الثواب، فإن ما هو أفضل منها في التنظيف كالفرشاة أو وضع معاجين خاصة على الأصابع لدلك الأسنان بها هو أولى وأحق، لأن النظافة هي المطلوبة وهي بالعود أو بفرشاة الأسنان تتحقق بشكل أفضل. ولسنا نريد أن نذكر فوائد المسواك الطِّبِّيَّة التي توصل إليها الطب الحديث، فهذا ليس عملنا، ويمكن تصنيفه في باب دلائل النبوَّة.
والسواك مسنون في الليل والنهار، وفي الإفطار والصوم على السواء، وإن ما ذهب إليه الشافعي والحنابلة وإسحق وأبو ثور ونُسب إلى عطاء ومجاهد، من كراهية السواك بعد الزوال للصائم مستدلين عليه بحديث رواه أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال « والذي نفسي بيده لَخُلوفُ فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك » رواه البخاري ومسلم. هو رأي غير صحيح خالف الشافعيَّ فيه حتى أتباعه، أذكر منهم أبا شامة والعِزَّ بن عبد السلام والنووي والمُزَني وابن حجر.
[ ١ / ١٨٤ ]
قال العِزُّ: وقد فضَّل الشافعي تحمُّل الصائم مشقة رائحة الخُلوف على إزالته بالسواك، مستدلًا بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولا يُوافَق الشافعيُّ على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرُّجحان بالأفضلية، ألا ترى أن الوِتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر، مع قوله ﵊ «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها وذكر فضيلتها وغيرُها أفضلُ منها، وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من التَّطهُّر المشروع لأجل الرَّبِّ سبحانه، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه، ولأجله شُرع السواك، وليس في الخُلُوف تعظيم ولا إجلال فكيف يقال إن فضيلة الخُلُوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه؟ . وخلص العزُّ إلى القول: والذي ذكره الشافعي ﵀ تخصيصٌ للعام بمجرد الاستدلال المذكور المعارَض بما ذكرنا. وقال ابن حجر العسقلاني (استدلال أصحابنا بحديث خُلُوف فم الصائم على كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائمًا فيه نظر) .
والصحيح هو أن استدلال هؤلاء على كراهة الاستياك بعد الزوال للصائم بحديث الخُلُوف هو استدلال لا يصلح لتخصيص الأحاديث الحاثَّة على استحباب السواك على العموم لأن حديث الخُلُوف هو في موضوع مغاير لموضوع أحاديث الاستياك، فلا يصلح مخصِّصًا. وممن ذهب إلى عدم كراهة الاستياك بعد الزوال إبراهيم النخعي وابن سيرين وعروة ومالك بن أنس وأصحاب الرأي، ورُوي عن عمر وابن عباس وعائشة ﵃ أجمعين.