القذارة أو القذر منها ما هو بالغُ السوء ويسمى النجاسة، ومنها ما هو دون ذلك وهو الدَّنس والوسخ وما في معناهما، وجاء الشرع يحرِّم المُغلَّظ منها وهو النجاسة، ويكره ما دون ذلك وهو الوسخ. فالنجاسة قذارة، والقذارة ليست بالضرورة نجاسة، فقد تكون نجاسة، وقد تكون وسخًا أو دَرَنًا أو ما في هذا المعنى.
والقَذَر المخفَّف جاء الشرع يأمر بإزالته وغسله واجتنابه أمرًا غير جازم، وهو ما يسمى النَّدب، وسَمَّى ذلك تنظيفًا ونظافة. فالنظافة في البدن وفي الثوب وفي المكان كلها أمور حث الشرع عليها، وجعل لمن يقوم بها ثوابًا، دون أن يتوعده بالإثم إن هو لم يفعل ذلك.
أما النجاسة فقد أمر الشارع باجتنابها أمرًا جازمًا وجعل اجتنابها فرضًا، وهي قسمان: نجاسة حسِّيَّة، ونجاسة حُكميَّة. أما الحِسِّيَّة فكالبول والغائط والدم والكلب وغيرها، وأما الحُكميَّة فكالجنابة والحيض والنفاس، وانتقاض الوضوء. وهذه النجاسة بشِقَّيها الإثنين يجب اجتنابها في عبادات ثلاث تشريفًا لهن، وهن الصلاة والطواف ومسُّ المصحف، ولم يشترط الشرع ذلك في سواهن على تفصيلٍ في ذلك.
[ ١ / ٧٦ ]
فقراءةُ القرآن اشترط لها الشرع زوال الجنابة دون الوضوء، وذكرُ الله لم يشترط له ذلك، وكذلك الجهاد وهو عبادة، والزكاة وهي عبادة، وسائر التصرفات من بيع وهبة ووكالة، والنكاح والسفر والأكل والنوم والصيد لم يشترط لها ذلك أيضًا. فكل العبادات والتصرفات تُقبل من المسلم دون اشتراط الطهارة الحُكميَّة إلا الصلاة والطواف ومس المصحف فقط.
أما النجاسة الحسِّية فقد أمر الشارع باجتنابها وعدم التعامل بها على أية حال، فالماء النجس لا يجوز استعماله بحال، والدم والبول وما سواهما من النجاسات حكمها الاجتناب وجوبًا، إلا ما رخَّص في كلب الصيد وكلب الحراسة، لما رُوي عن ابن عمر أنه قال: سمعتُ النبي - ﷺ - يقول «مَن اقتنى كلبًا إلا كلبًا ضاريًا لصيدٍ، أو كلبَ ماشية - فإنه ينقص من أجره كلَّ يوم قيراطان» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وإلا ما رخَّص في جلد الميتة وسيأتي.
إن السُّنة النبوية - فضلًا عن القرآن الكريم - لم يرد فيها تفصيل قطعيٌّ لأعيان النجاسات وأنواع المُطهِّرات، ولذا اختلفت فيها آراء المجتهدين. قال ابن رشد المالكيُّ المذهب: وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم السائل الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت إذا كان مسفوحًا، أعني كثيرًا، وعلى بول ابن آدم ورجيعه، وأكثرهم على نجاسة الخمر، وفي ذلك اختلاف عن بعض المُحدِّثين، واختلفوا في غير ذلك.
[ ١ / ٧٧ ]
وقال الشوكاني (والنجاسات هي غائط الإنسان مطلقًا، وبوله - إلا الذَّكر الرضيع- ولُعاب كلب، وروث، ودم حيض، ولحم خنزير، وفيما عدا ذلك خلاف، والأصل الطهارة فلا يَنْقُل عنها إلا ناقلٌ صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يُقدَّم عليه) وفي كتاب الكافي لابن قُدامة أن النجاسات هي بول الآدميِّ، وما لا يؤكل لحمه من الحيوان، والغائط، والودي، والقيء، والدم، والقيح، والخمر، والكلب، والخنزير، والميتة، ودخان النجاسة وبخارها. وذكر رأيين في المذي، والعلقة، ورطوبة فرج المرأة، والمني. وقال غيرهم غير ذلك. وإنما اختلفوا في هذا الباب اختلافًا كثيرًا، لأن السُّنة كما ذكرنا لم تُفصِّل أعيان النجاسات، وقلما ذكرت نجاسةً بالتنصيص الصريح.
وقد شدد الشافعيون والحنابلة في موضوع الطهارة والنجاسة، في حين خفف المالكيون كثيرًا في هذا الموضوع، ووقف الأحناف بين هؤلاء وأولئك، فشددوا في أمور وخففوا في أمور أخرى. ونحن نبحث بإذن الله هذه المسألة، مسترشدين بالأدلة الصحيحة، ومجتنبين الأخذ بالأدلة الضعيفة، أو القياس الفاسد أو الشُّبهات، أو التقليد لمذهب أو إمام، فلعل الله يُمكِّننا من كشف القناع عن هذه المسألة الشائكة، واستخلاص الصحيح الذي تطمئن له النفس.
قلنا في تمهيد [والنجاسات تسع: أربع من الإنسان هي البول والغائط والمذي والودي، وثلاث من الحيوان هي الكلب والخنزير والميتة، وواحدة مشتركة بينهما هي الدم المسفوح، وواحدة من غيرهما هي الخمر] هذه هي النجاسات التي استخلصناها من النصوص، وسنورد الأدلة على كل نجاسة منها بشيء من التفصيل، وبعدئذ نناقش ما قاله الآخرون مما خالفونا فيه دون ما وافقونا فيه.