سُنَنُ الفِطرة
[ ١ / ١٧٩ ]
اختلف العلماء في معنى لفظة الفِطْرة، فقال الخطَّابي: ذهب أكثر العلماء إلى أنها السُّنَّة، أي سنن الأنبياء. وقال أبو هريرة والزُّهري وأحمد: هي الإسلام. قال ابن عبد البرِّ: وهو المعروف عند عامَّة السلف. وقال ابن حجر: هي الدين، وعزاه إلى طائفة من العلماء. وجزم به أبو نُعيم. وقد استدل الفريقان من جملة ما استدلا به بقوله تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدِّيْنِ حَنِيْفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيْلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّيْنُ القَيِّمُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُوْنَ﴾ الآية ٣٠ من سورة الروم. وبما روى مسلم عن عياض بن حمار المُجاشِعي أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم في خُطبته «ألا إنَّ ربي أمرني أن أُعلِّمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا، كل مال نَحلتُه عبدًا حلال، وإني خلقتُ عبادي حُنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم » . وذكر ابن عطيَّة في تفسيره أن جماعة من العلماء قالوا: إن الفطرة هي الملَّة، دون أن يُسمِّيهم، ويظهر أنهم استدلُّوا على رأيهم بما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال «ما من مولود يولد إلا وهو على الملَّة» . وفي رواية ثانية له «إلا على هذه الملَّة حتى يبين عنه لسانُه» . وقال أبو شامة: أصل الفطرة الخِلقة المبتدأة، ومنه قوله ﷿ ﴿فاطِرَ السمواتِ والأرضِ﴾ أي المبتديء خلقهن.
[ ١ / ١٨٠ ]
والناظر في هذه الأقوال يجد أنها غير متعارضة، فالخلقة المبتدأة هي أصل الفطرة، والسُّنة والدين والإسلام والملَّة هي المقصودة من هذه اللفظة في الأحاديث كقوله ﵊ «كل مولود يولد على الفطرة » وقوله عليه الصلاة والسلم «عشْرٌ من الفطرة » ذلك أنَّ السُّنة والدين والإسلام والملة قد جاءت متوافقة مع فطرة الإنسان وخَلْقِهِ، وإن شئتَ قلتَ إن معناها في الأحاديث النبوية الإيمان الفطري.
أما السُّنن فالمقصود بها مجموعة الأفعال التي اتفقت عليها الشرائع كلها. وهذه السنن كثيرة نصَّت الأحاديث على إحدى عشرة سُنة منها، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - «عشرٌ من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاءُ اللحية، والسواكُ، واستنشاقُ الماء، وقصُّ الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتفُ الإبط، وحلقُ العانة، وانتقاصُ الماء، قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة والنَّسائي. قوله البراجم: أي عُقَد الأصابع. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال «الفِطرة خمسٌ: الاختتان والاستحداد وقصُّ الشارب وتقليمُ الأظفار ونتفُ الإبط» رواه مسلم والبخاري وأحمد. قوله الاستحداد: أي حلق العانة.
وهذه السنن في الأحاديث بلغت إحدى عشرة سُنَّة، وقد سبق أن بحثنا الاستنجاء، وسنبحث بإذن الله الاستنشاق والمضمضة في بحث الوضو، فيتبقى منها ثمانٍ هي: السواك وقص الشارب وإعفاء اللحية ونتف الإبط وقصُّ الأظفار وغسل البراجم وحلق العانة والختان. ونبدأ بالسواك.