[ ١ / ٣٢٥ ]
المستحاضة هي التي ينزف دمها من فرجها في غير فترة حيضها، أو هي التي ترى دمًا ليس بحيض ولا نفاس. والمستحاضة حكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات من صلاة وصوم وطواف، لأن الاستحاضة نجاسة غير معتادة مثلها مثل سلس البول، وقد مرَّ في بحث دم الحيض ومدته أنواع الاستحاضات كلها، فلا نعيد، وللمستحاضة الأحكام التالية:
١- الغُسل: اختلف العلماء والأئمة في غسل المستحاضة على رأيين رئيسيين، وثالث صغير. فذهب ابن مسعود، وعلي وابن عباس في رواية عنهما، وعائشة في رواية، وعُروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن والأئمة الأربعة إلى وجوب غسل المستحاضة مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها. وذهب ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح، وعلي وابن عباس في رواية أخرى إلى وجوب غسل المستحاضة لكل صلاة. وانفرد سعيد بن المسيب والحسن بالقول إن المستحاضة تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر في اليوم التالي، أي مرة كل يوم وليلة. وروى أبو داود عن عائشة أنها قالت «تغتسل كل يوم مرة» .
وحتى يتبين لنا صواب الرأي الأول نستعرض الأحاديث التي تعالج هذا الموضوع:
أ- عن عائشة ﵂ «أن فاطمة بنت أبي حُبَيش كانت تُستحاض، فسألت النبي - ﷺ - فقال: ذلك عِرْق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد.
ب - عن عائشة قالت «إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله - ﷺ - الدم، فقال لها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتُكِ ثم اغتسلي، فكانت تغتسل عند كلِّ صلاة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
[ ١ / ٣٢٦ ]
ج - عن أم سلمة ﵂ «أن امرأة كانت تُهراق الدم على عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفتت لها أم سلمة زوج النبي - ﷺ - فقال: لِتنظر عِدَّةَ الليالي والأيام التي كانت تحيضُهن من الشهر، فإذا بلغت ذلك فلْتغتسل ثم تَسْتَثْفِر بثوب ثم تصلي» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
د- عن حمنة بنت جحش قالت «كنت أُستحاض حيضةً شديدةً كثيرةً، فجئت رسول الله - ﷺ - استفتيه وأُخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت: فقلت يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: وما هي؟ فقلت: يا رسول الله إني أُستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام؟ قال: أنعتُ لك الكُرْسُف فانه يُذهب الدم قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلَجَّمي، قالت: إنما أثجُّ ثجًا، فقال لها: سآمرك بأمرين أيهما فعلتِ فقد أجزأ عنك من الآخر فإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت واستنقأت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامَها وصومي فإن ذلك يُجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطُهْرِهن، وإنْ قَويتِ على أن تؤخري الظهر وتعجِّلي العصر فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي وصلي وصومي إنْ قدرتِ على ذلك. وقال: قال رسول الله - ﷺ -: وهذا أعجب الأمرين إلي» رواه أحمد والترمذي وأبو داود، وحسنه البخاري والذهبي، قال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح وهكذا قال أحمد بن حنبل) .
[ ١ / ٣٢٧ ]
حديث عائشة الأول يقول «وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي» وحديث عائشة الثاني يقول «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي» وحديث أم سلمة يقول «فإذا بلغت ذلك فلْتَغْتسل ثم تستثفر بثوب ثم تصلِّي» . أما حديثا عائشة فصحيحان، وأما حديث أم سلمة فالنووي يقول: إسناده على شرطهما، إلا أن هذا الحديث ضعَّفه البيهقي وقال (إن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة) وأيده المنذري بقوله: لم يسمعه سليمان. وساق الدارقطني الحديث بسند هكذا: عن صخر بن جويرية عن نافع عن سليمان بن يسار أنه حدثه رجل عن أم سلمة، فهؤلاء أثبتوا ضعف هذا الحديث لأن فيه مجهولًا. إلا أن موسى بن عقبة قال: عن نافع عن سليمان عن مرجانة عن أم سلمة، فوضع بدل الرجل المجهول امرأة وسماها مرجانة، وهذا مخالف لسند الدارقطني وغيره، فالحديث ضعيف على كل حال فنطرحه، ونكتفي بحديثي عائشة الصحيحين، وندع حديث حمنة إلى وقت لاحق.
الحديثان يفيدان اغتسال المستحاضة مرة واحدة عقب انتهاء فترة حيضها، ولو كان الاغتسال لكل صلاة لنصَّت الأحاديث على ذلك كما نصَّت على الوضوء لكل صلاة، كما جاء مثلًا عن عائشة قالت «جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاضُ فلا أَطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عِرْق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»، قال أبو معاوية في حديثه
[ ١ / ٣٢٨ ]
«وقال توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) . ودافع الحافظ ابن حجر العسقلاني عن هذه الزيادة، وروى الأمر بالوضوء لكل صلاة أحمد والدارمي. فهذا الحديث جاء فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة، فحديثا عائشة ذكرا الاغتسال ولم يذكرا الوضوء، وذكرا الاغتسال دون تقييده بكل صلاة، في حين أن الحديث عندما ذكر الوضوء قيده بقوله «لكل صلاة» مما يدل على وجود فارق بين الأمر بالاغتسال والأمر بالوضوء. فالاغتسال يجب مرة واحدة، والوضوء يجب عند كل صلاة.
قد يقال إن حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - أنه قال «المستحاضة تدع الصلاة أيام أَقْرائِها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصوم وتصلي» الذي رواه ابن ماجة وأبو داود والترمذي، يأمر بالاغتسال والوضوء لكل صلاة، قد يقال ذلك، فنقول إن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للنظر والاحتجاج لضعف راويه عن عدي وهو أبو اليقظان، قال عنه يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم: ترك ابن مهدي حديثه. وقال عنه أيضًا: إنه ضعيف الحديث منكر الحديث. وكذلك ضعَّفه الحاكم ويحيى بن سعيد والنَّسائي والدارقطني على اختلاف بينهم في العبارة. يتضح مما سبق أن المطلوب من المستحاضة هو أن تغتسل عند انقضاء فترة حيضها مرة واحدة فحسب، ثم تصلي بوضوء لكل صلاة.
أما ما رواه الآخرون عن عائشة ﵂ «أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله - ﷺ -، فأمرها بالغسل لكل صلاة» رواه أبو داود، فهذا الحديث فيه محمد بن إسحق وقد عنعن، فالحديث إذن ضعيف، وما رواه أحمد والنَّسائي عن عائشة رفعته بلفظ. «.. فلْتنظر قدر قَرئِها التي كانت تحيَّض له فلْتترك الصلاة، ثم لتنظر ما بعد ذلك فلْتغتسل عند كل صلاة ولتُصَل» فهو مخالف للحديث الصحيح.
[ ١ / ٣٢٩ ]
٢- «فتحيضي ستة أيام إلى سبعةٍ في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت واستنقأت فصلي فإن ذلك يُجْزِئُك» .
٣- «وإن قويتِ على أن تؤخري الظهر وتعجِّلي العصر فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي وصلي وصومي إن قدرت على ذلك وهذا أعجب الأمرين إليَّ» .
فقد خيَّر الرسول ﵊ حمنة في العبارة الأولى بين فعلين، مبينًا أنها إن فعلت أحدهما سقط عنها وجوب الآخر، وهي عبارة جد واضحة. ونجد في العبارة الثانية الخيار الأول، وفيه أمرها بالغسل عقب انتهاء الحيض ثم الصلاة، وليس في العبارة أي أمر بتكرار الغسل، وأكد بقوله «فإن ذلك يُجْزِئُك» . ونجد في العبارة الثالثة الخيار الثاني، وفيه أمرها بالاغتسال لكل صلاتين من الصلوات الأربع الأولى والاغتسال لصلاة الفجر كلَّ يوم وحبَّبه إليها بقوله «وهذا أعجب الأمرين إلي» إذن فالخيار الأول هو ما قلناه من قبل وهو الغسل مرة واحدة، وأن هذا مُجْزِئ، والخيار الثاني الغسل ثلاث مرات كل يوم وأنه أفضل، ولكنه غير لازم.
هذا هو مجمل حديث حمنة، فليس فيه وجوب تكرار الغسل، وإنما فيه استحبابه فحسب، فهو دليل لنا أيضًا على أن الواجب يسقط بالغسل مرة واحدة. إذن حديث حمنة يفيد أن الغسل مرة واحدة يُجْزِيء، وأنَّ غُسلها كل صلاتين في الجمع أفضل، وإذن فإن الغسل لكل صلاتين مندوب.
وبالرجوع إلى ما مرَّ فانَّا لو تساهلنا في حديث عائشة السابق الذي فيه «اغتسلي لكل صلاة» واعتبرناه يصلح للاحتجاج كما مال إلى ذلك عدد من الأئمة، فإن غاية ما يفيده استحباب الغسل لكل صلاة، تمامًا كاستحباب الغسل لكل صلاتين، وهذا القول أعدل الأقوال وأَوْلاها بالأخذ جمْعًا بين الأدلة وإعمالًا لها.
[ ١ / ٣٣٠ ]
أما رأي ابن المسيَّب والحسن، وعائشة فيما رُوي عنها، وهو وجوب الاغتسال مرة كل يوم أو كل يوم وليلة، فلم أجد له نصًا صحيحًا ولا حسنًا يدل عليه فيترك.
٢- الوضوء: ذهب الجمهور إلى وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، وانفرد مالك بالقول: إنَّ الوضوء لكل صلاة مستحب، ولا يجب إلا بحدث آخر. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لأن النصوص تدل عليه. وقد سبق حديث الترمذي الحسن الصحيح «توضئي لكلِّ صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» فهو نص صريح في الوضوء لكل صلاة، فيجب المصير إليه والعمل بموجبه.
أما أنه فرض وليس سنة، فذلك أن نزول الدم من الفرج ناقضٌ للوضوء لا أعلم فيه خِلافًَا، والمستحاضة ينزف دمها باستمرار، فهي في حالة نقضٍ دائم للوضوء لا تطهر منه، وبالتالي لا تستطيع الصلاة، فجاء الشرع يطالبها بالصلاة وبالوضوء لكل صلاة، ولو استمر الدم في النزول في أثناء الصلاة، فمطالبتها بالوضوء لكل صلاة إنما هو لأجل قيامها بواجب الصلاة، وإذن فلا يتصور أن يكون سنة، لأن السُّنَّة يجوز تركها، وهنا لا يجوز ترك الوضوء لأنه لو ترك لكان الناقض مستمرًا ولما جازت معه الصلاة، وهذه الحالة هي حالة ضرورة وحالة عذر، تمامًا كَسَلَسِ البول والريح، فهي قرينة على أن الأمر هنا يفيد الوجوب.
[ ١ / ٣٣١ ]
أما قول مالك الذي شاركه فيه عكرمة وربيعة باستحباب الوضوء للمستحاضة، فقد استدلوا عليه بحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة بنت أبي حبيش « ثم اغتسلي وصلي» قائلين إن الرسول ﵊ لم يأمرها بالوضوء لكل صلاة، ولأنه ليس بمنصوص عليه، فنرد عليهم بأن حديث عائشة السابق جاء فيه «توضئي لكل صلاة» وهذه زيادة يجب قبولها ويتعين المصير إليها، وهي ردُّ على قولهم (ليس بمنصوص عليه) وكما أن روايتهم صالحة - فقد رواها البخاري - فروايتنا هي أيضًا صالحة رواها الترمذي وقال (حسن صحيح) ثم إن روايتهم فيها سكوت وروايتنا فيها نطق، والنطق مقدَّم على السكوت.
أما إن جاء من يجادل في أن نزول الدم للمستحاضة لا شيء فيه، وأنه ليس بناقض فلا يجب له الوضوء، قلنا: وكيف تفسر أمر رسول الله - ﷺ - لحمنة بنت جحش «أنعت لك الكُرْسُف» أي ضعي قطنًا لمنع نزول الدم؟ فلما قالت: هو أكثر من ذلك - أي لا يمنع القطنُ نزوله - قال «فتلجَّمي» أي أكثري من وضع ما يحول دون نزوله أجل كيف تفسر هذين الأمرين إن كان نزول الدم من الفرج غير ناقض؟ وحيث أن الوضوء هنا مشروعٌ لعذر وضرورة فإنه يقيَّد بقدرهما، فيكون هذا الوضوء المشروع لكل صلاةِ فريضةٍ صالحًا طيلة وقت الصلاة المفروضة، فبالوضوء الواحد تصلي في وقت الصلاة ما شاءت من صلوات، فإذا انتهى الوقت بطل وضوؤها، فإذا أرادت صلاة جديدة توضأت لها وضوءًا جديدًا، وهكذا.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ثم يجب أن تتوضأ بعد دخول الوقت لا قبله، حتى يصح القول أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، ولو جاز وضوؤها قبل دخول الوقت لكان هذا الوضوء قد جاز لوقتين وهذا لا يجوز، لأنه يخالف كونه وضوء عذر وضرورة يُقدَّر بقدرهما. وهذا رأي الأحناف وابن قُدامة من الحنابلة، وهو الصحيح. قال ابن حجر في فتح الباري (وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بوقت الصلاة فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله «وتوضئي لكل صلاة» أي لوقت كل صلاة) .
والآخرون قالوا بالوضوء لكل صلاةِ فريضةٍ ولكل صلاةٍ مقضية أخذًا بظاهر الحديث، وهذا تشدد في الأخذ بالظاهر، لأنَّا لو أردنا مجاراتهم في قولهم هذا لقلنا لهم كيف أجزتم بوضوء واحد أداءَ صلاة الظهر مثلًا وركعتين قبلها، أو ركعتين بعدها؟ وهذه ثلاث صلوات وليست صلاة واحدة؟ فإن قالوا: دخلت في مسمى واحد هو صلاة الظهر، قلنا: وأين النص في ذلك؟ وما الفرق بين هذه الصلوات الثلاث وصلاة الظهر وقضاء صلاة الفجر في وقت واحد؟ لا هذه فيها نصٌ ولا تلك. فإن توسعتم في فهم النص قلنا: ليكن التوسع بشكل يشمل الصلوات المؤدَّاة في وقت الصلاة الواحدة.
ثم إن حديث حمنة فيه الأمر بالجمع بين الصلاتين، صلاة الظهر وصلاة العصر، وصلاة المغرب وصلاة العشاء، ولم يأمرها الرسول - ﷺ - بوضوء، واكتفى بطلب الغسل للصلاتين، ولو كان أَمَرَها بالوضوء للصلاة الثانية لنُقِل، فلما لم يحصل دل ذلك على أن الوضوء غير لازم، ودل الحديث على أن الغسل أو الوضوء يقام فيه بصلاتين، وهذا دليل آخر على أن الوضوء يكفي لأكثر من صلاة في الوقت الواحد، وينقض قولهم المذكور.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ولسنا نريد التشدد فنقول إن هذا الحديث يفيد أن الوضوء يكفي لوقتين وفريضتين، لأن الجمع الذي أمرت به حمنة كان جمعًا صوريًا، بحيث تصلي الظهر في آخر وقت الظهر وتصلي العصر في أول وقت العصر، وكلُّ ذلك بغسل، أو بوضوء واحد، لسنا نقول هذا القول لأن الجمع الذي أمرت به حمنة ليس مقطوعًا به أنه جمع صُوْرِيٌّ وإنما هو محتمل، فلا يصلح للاستدلال.
فبالوضوء الواحد تصلي المستحاضة صلاة الفريضة وسننها والصلوات المقضَّية وما تشاء من النوافل، وتقرأ القرآن وتمس المصحف ما دام ذلك كله في وقت صلاة فريضة. فإن أذَّن المؤذن لصلاة جديدة فإن وضوءها يبطل، ويلزمها وضوء جديد تفعل فيه ما فعلته في وضوئها السابق، ويتعلق بهذا الوضوء ما سبق وأتينا عليه من وجوب غسل الفرج مما أصابه من دم، ثم تحفُّظها بشكل تجتهد به أن تمنع نزف الدم، فإن نزف بعد بذل الوسع فلا بأس.
٣- الوطء: يجوز لزوج المستحاضة أن يطأها ولو كان الدم ساعة الوطء يسيل، وهو رأي الأئمة الأربعة خلافًا لرأي ابن سيرين والشعبي والنخعي والحاكم وأحمد في رواية عنه، فقد قالوا بالمنع إلا أن يخاف الزوج العنت والوقوع في محذور. وقد استدل مَن قالوا بالتحريم بما رواه الحاكم في كتابه [معرفة علوم الحديث] والخلاَّل بإسناده عن عائشة أنها قالت «المستحاضة لا يغشاها زوجها» وقالوا إن بها أذى فيحرم وطؤها كالحائض، فقد قاسوا المستحاضة على الحائض للعلة المشتركة بينهما وهي الأذى ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النِّساءَ في المحيض﴾ وهذا الرأي ظاهر الضعف لأن ما رووه عن عائشة هو قولٌ لصحابية، وقول الصحابي أو الصحابية ليس دليلًا. أما قياسهم المستحاضة على الحائض فلا يصح، لأن واقع الحيض يختلف عن واقع الاستحاضة، فدم الحيض أسود نتن، في حين أن دم الاستحاضة أحمر عادي غير فاسد، فهذا فارق، ثم إن الله حرم على الحائض الصلاة في حين أمر المستحاضة بالصلاة، فهذا فارق ثانٍ، فالقياس لا يصح.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقد يُسأل عن دليل جواز وطء المستحاضة، فأجيب بأنه لا يلزم دليلٌ لذلك لأن المستحاضة زوجةٌ تُوطأ، ولا يُمنع الزوج من وطء زوجته إلا في حالة الحيض والنفاس، وما سواهما لا يوجد دليل بالحظر والتحريم، والأصل إباحةُ الوطء لعموم الأدلة، ولا يصار إلى التحريم إلا بدليل ولا دليل. وقد روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش «أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها» وإسناده حسن. وحمنة زوجة طلحة بن عبيد الله، وروى أبو داود عن عكرمة أيضًا «كانت أم حبيبة تُستحاض فكان زوجها يغشاها» وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف كما ذكر مسلم في صحيحه. وروى عبد الرزاق في مصنَّفه في باب المستحاضة عن عكرمة عن ابن عباس قال «لابأس أن يجامعها زوجها» فهذه المرويات من الآثار وإن كانت ليست أدلة لأنها أقوالُ صحابةٍ إلا أنها يُستَأنَسُ بها ويُطمئَنُّ بها على سلامة الرأي.
٤- المستحاضة تصلي وتصوم، وتفعل كل شيء كما تفعل الطاهرات سواء بسواء: وقد مرَّ في الأحاديث الأمر بالصلاة وبالصوم، ففي حديث حمنة السابق «وكذلك فافعلي وصلِّي وصومي» وحيث أن الصلاة والصوم شرطهما الطهارة، وقد طُلِبا من المستحاضة فقد دل ذلك على أن المستحاضة طاهرة كسائر الطاهرات، تفعل ما تفعله الطاهرات دون أي تمييز. وهذا رأي العلماء والأئمة دون مخالف.