[ ١ / ٥٢ ]
١- قلنا إن الماء إذا بلغ قُلَّتين فأكثر لا ينجس، ونريد الآن أن نبين مقدار القُلَّتين، فنقول: إن القُلَّتين تعادلان اثنتي عشرة تنكة أو صفيحة مما نستعمله هذه الأيام لحفظ الزيت فيه. وقد وجدتُ البيهقي يروي عن ابن جُرَيْج - وهو عبد الملك بن عبد العزيز فقيه الحرم المكي في القرن الثاني للهجرة - قوله (وقد رأيت قِلال هَجَر، فالقُلَّة تسع قِربتين، أو قِربتين وشيئًا) وأضاف، أي البيهقي (قال الشافعي: كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من نصف القربة، أو نصف القربة، فيقول خمسُ قِرَب هو أكثر ما يسع قُلَّتين وقد تكون القُلَّتان أقل من خمس قِرَب، قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون القُلَّة قربتين ونصفًا فإذا كان الماء خمس قِرَب لم يحمل نجسًا ) إذن فالقُلَّتان خمس قِرب، وقدَّرها الخبراء - أي القِرَب الخمس - باثنتي عشرة تنكة، وهذه تعادل برميلًا كبيرًا تقريبًا، فإذا وُجد ماءٌ مِلءَ برميل وبال فيه شخص، أو سكب فيه دمًا، أو ألقى فيه ميتةً ظل الماء طَهورًا، إلا إذا تغير وصف الماء، فإذا لم يتغير وصفُه ولا سُلب اسمُه ظل الماء على أصله من الطَّهارة.
[ ١ / ٥٣ ]
٢- ما دون قُلَّتين - أي ما دون برميل - إذا وقعت فيه نجاسة نجَّسته، ووجبت حينئذ إراقتُه، قليلةً كانت النجاسة أو كثيرةً، فلو قُطر فيه بضعُ قَطَرات من بولٍ تنجَّس دون اعتبارٍ لتغيُّر اللون أو الطعم أو الرائحة، ويُستثنى من ذلك حالة ما إذا وقعت فيه نجاسة جدُّ يسيرة كنقطة بول واحدة أو نقطة دم واحدة، أو وقع فه صرصور أرجلُه ملطَّخةٌ بنجاسة، ففي مثل هذه الحالة لا ينجس الماء بل يظل طهورًا. وكذلك إذا وقع في الماء من الدوابِّ ما لا دمَ سائلًا له، كالذبابة والجُنْدُب والخنفساء وأشباهها فإن الماء يظل طَهورًا، لما روى أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فلْيغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاءً وفي الآخر داءً» رواه البخاري وأبو داود. ولما رُوي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - «أُحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد » رواه أحمد وابن ماجة. وسيأتي بتمامه.
دلالة الحديث الأول أن رسول الله - ﷺ - لا يأمر بإراقة الطعام الذي يقع فيه الذباب، ولو كان الطعام يتنجس بوقوعه فيه لما أذن بأكله، ودلالة الحديث الثاني أن الجراد وهو ميت يُؤكل، ولو كان يتنجس بالموت لما جاز أكله، وهكذا كل الدوابِّ التي لا دم سائلًا لها، فكلها طاهرة حيَّة وميتة. وقد روى البيهقي عن إبراهيم النخعي أنه رخَّص في الخنفساء والعقرب والجراد والجُدْجُد إذا وقعن في الرِّكاء فلا بأس به، وقال البيهقي (روينا معناه عن الحسن البصري وعطاء وعكرمة) .
[ ١ / ٥٤ ]
ومن زاوية أخرى فإنه إذا وقع أي حيوان سوى الكلب والخنزير في الماء وخرج حيًا ظل الماء على أصله من الطهارة، سواء أكان فأرًا أم قطًا أم طيرًا، لأن جميع الحيوانات الحية طاهرة باستثناء الكلب والخنزير. أما إن وقع فيه الحيوان فمات نُظر، فإن كان من الذباب أو العقارب أو الخنافس أو الصراصير- ومثلها جميع الحيوانات البحرية كالسمك والسرطانات - ظل الماء طاهرًا قليلًا كان أو كثيرًا، أما إن كان مما سوى هذه الأصناف التي يطلق عليها وصف [ما ليست لها نفسٌ سائلة] ومثلُها الحيوانات البحرية، إن هي وقعت في الماء فماتت، تنجس الماء وفقد طهارته. وإذا شربت من الماء القليل الحيواناتُ كلها سوى الكلب والخنزير، ظل الماء طَاهرًا لا فرق بين الهرة والحمار والضبع وغيرها وسيأتي دليل ذلك في بحث [سُؤْر الحيوان] .
٣- الماء الآجِن، وهو الماء الذي يظهر عليه تغيُّرٌ نتيجة طول المكث، ومثله الماء العَكِر، كلاهما طاهر طَهور ما داما يحملان اسم الماء. قال ابن المنذر (أجمع كل من يُحفظ قوله من أهل العلم على أن الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة حلَّت فيه جائز غير ابن سيرين فإنه كره ذلك، وقول الجمهور أولى، فإنه يُروى أن النبي - ﷺ - توضأ من بئرٍ كأنَّ ماءها نُقاعة الحنَّاء) وقال ابن قدامة في كتاب المغني (وحكى ابن المنذر عن الزُّهري في كِسَرٍ بُلَّت بالماء غيرت لونه أو لم تغير لونه لم يتوضأ به، والذي عليه الجمهور أولى لأنه طاهر لم يُغيِّر صفة الماء فلم يمنع كبقية الطاهرات إذا لم تغيره، وقد اغتسل النبي - ﷺ - وزوجته من جَفْنة فيه أثر العجين، رواه النَّسائي وابن ماجة والأثرم) .
[ ١ / ٥٥ ]
٤- الأصل في الماء الطُّهورية، ولذا فإنَّ المسلم إن شكَّ في نجاسة الماء أيِّ ماء، لم يمنعه الشك من التوضُّؤ به وإزالة النجاسات به، سواء وجده متغيرًا أو غير متغير، إلا إذا غَلَب التغيُّرُ عليه وسلبه اسمه، وعلى هذا فإن ماء الميازيب طاهر طَهور ولو كان متغيِّرًا، لأن المارَّ في الطريق لا يتيقَّن من نجاسته أو طهارته فيبني على الأصل، ولا يجب على المارِّ أن يسأل صاحب الميزاب عن الماء النازل إن كان طاهرًا أو نجسًا.
وإذا كان المسلم في مكان وليس عنده سوى إنائي ماء، وأُخبر بأن أحدهما نجس دون تعيين والثاني طاهر وأراد أن يتوضأ، لم يَجُز له التوضؤ من أيِّ من الإناءين، بل يجب عليه إراقتهما وأن يتيمَّم، لأنه ربما توضأ بالنجس فيتنجس ولا يرتفع حدثه، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن عند المسلم سوى ثوبين أحدهما نجس والآخر طاهر دون تمييز بينهما وأراد الصلاة، فإنه يلبس أحدهما ويصلي، ثم يخلعه ويلبس الآخر ويصلي، ففي هذه الحالة يكون قد ضمن لنفسه صلاة على الوجه الصحيح.
٥- إذا جاء مسلم إلى حوض ماء فأخبره فاسق أو كافر أو صبي أو مجنون أن الماء نجس لم يَقبل قولهم، لأن هؤلاء ليسوا أهلًا للشهادة، أما إن أخبره بنجاسة الماء من هو أهلٌ للشهادة، وهو المشهود له بالعدالة، أو كان غير مجروح العدالة من الرجال أو النساء، وجب عليه قبول خبره إن هو عيَّن سبب النجاسة، أما إن وصف الماء بالنجاسة دون بيِّنة، فإن المسلم لا يجب عليه قبول قوله، لأن هذا المُخبِر ربما جهل أسباب النجاسات، أو لم يكن متيقنًا من نجاسة الماء، وحكم على الماء بالنجاسة خطأً.
[ ١ / ٥٦ ]
٦- إذا تنجس ماء وأُريد تطهيرُه وإزالةُ نجاسته نُظر، فإن كان دون قُلَّتين، أي دون برميل، نُظر، فإن كان غير متغيرٍ بالنجاسة فيكفي أن يضاف إليه ماء طاهر حتى يبلغ قُلَّتين، أي برميلًا، فيصبح الماء طاهرًا كله، وإن كان الماء متغيرًا بالنجاسة صب عليه الماء حتى يبلغ قُلَّتين، أي برميلًا، فإن زال التغير فقد زالت النجاسة، وإن لم يزُل التغير يُزَد الماء حتى يزول التغير دون اعتبارٍ للكمية المضافة. أما إن كان الماء قُلَّتين، أي برميلًا فأكثر، فإنه لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، إلا أن تغيِّره، فإن لم يتغير بقي على أصله من الطَّهارة، وإن هو تغير بالنجاسة أُضيف إليه ماء حتى يزول التغيُّر دون اعتبارٍ للكمية المضافة. ولا فرق في كل ذلك بين أن يُصَبَّ الماء النجس على الماء الطاهر أو الطاهرُ على النجس، كما لا فرق بين الصَّبِّ دفعة واحدة وبين الصَّبِّ بالتدريج، فكل ذلك سواء.