١- اختلف العلماء في موضوع الوضوء أو ما سُمِّي بالوضوء للصلاة الوارد في حديث عائشة الأول، هل هو وضوءٌ مستقل أم هو جزء من الغسل، اختلفوا على رأيين: فذهب أبو ثور وداود إلى أن الوضوء مستقل، وأوجبوا على المسلم أن ينوي له نية رفع الحدث الأصغر، ثم إذا أفاض الماء على رأسه وبدنه نوى رفع الحدث الأكبر، أي هم أوجبوا عليه نيتين لفعلين أحدُهما مستقلٌّ عن الآخر.
وذهب سائر العلماء إلى أن أفعال الوضوء ليست مستقلة عن أفعال الغسل، ولذا أوجبوا لهما نية واحدة. وتردد ابن حجر في هذه المسألة فقال (يُحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سُنَّة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى) .
[ ١ / ٢٥٣ ]
والذي أرجِّحه هو أنه لا يلزمه إلاَّ نيَّة واحدة فحسب، وهي تُستحضر عند غسل أول عضو من البدن، وأن ما سمته عائشة وضوءًا وجاءت ميمونة على ذكره فليس هو الوضوء المعروف، لأن الوضوء المعروف فيه مسح الرأس، وهذا الذي يسمونه وضوءًا لا مسح للرأس فيه كما يظهر في جميع الأحاديث، وهو ما تمسك به الإمام مالك، ثم إنَّ رواية ميمونة ذكرت غسل الرجلين بعد إفاضة الماء على البدن، وبذلك فصلت أعمال الوضوء بعضها عن بعض، وهذا أمرٌ لا يرد في الوضوء، ولا يرد إلا في الغسل.
لهذه الفروق أقول إن ما سمَّته عائشة وضوءًا هو سُنة من سنن الغُسل، وإن هذه السُّنَّة لا مسح للرأس فيها، ولا موالاة بين أجزائها، ودخلت تحت غسل الجنابة كجزءٍ مسنون منه، وكل ما في الأمر أن سُنَّة الغسل تشابهت في معظمها مع أعمال الوضوء.
وأزيد فارقًا آخر هو أن من يفعل هذه السنَّة لا يجب حين يفيض الماء على جميع بدنه أن يُفيض الماء على ما غسل من أعضاء الوضوء أو أعضاء هذه السُّنة، وتُجزئه إفاضة الماء على ما سواها من أعضاء البدن.
وربما كانت الدقة والوضوح أن يقال: يبدأ المغتسل بمواضع الوضوء بدل أن يقال: يبدأ بالوضوء، يدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم وأهل السنن عن أم عطية قالت: قال النبي - ﷺ - لهنَّ في غسل ابنته «ابدأْنَ بميامنِها ومواضعِ الوضوء منها» . وهذا قول منه - ﷺ -، قاله لمن كنَّ يغسلن إحدى بناته عند وفاتها، في حين أن جميع الروايات التي ذكرت الوضوء هي أقوال صحابة، وقول الرسول الله - ﷺ - هو الحجة. ولقد أفرد البخاري بابًا سماه (من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده، ولم يُعِد غسل مواضع الوضوء منه مرة أخرى) .
[ ١ / ٢٥٤ ]
٢- اختلف العلماء في تكرار الغسل للبدن، فقال بعضهم يُستحب ذلك قياسًا على غسل الرأس ثلاثًا، وقال بعضهم لا يُستحب ذلك وهو الصحيح، لأنه لم تُنقل أية رواية صحيحة أو حسنة أنه - ﷺ - قد أفاض الماء على جسده أكثر من إفاضة واحدة، في حين أن رواياتٍ صحيحةً عديدةً ذكرت إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا، ما يدلُّ على المغايرة بين الإفاضتين، فالسُّنة غسل الرأس ثلاثًا، وغسل سائر الجسد مرة واحدة.
٣- اختلف الأئمة في موضوع غُسل الرِّجْلين على رأيين، فقال الشافعي إنَّ غسل الرجلين قبل إفاضة الماء على الرأس أفضل حتى يكتمل الوضوء أولًا ويتصل بعضه ببعض، واستدلَّ بحديث عائشة الأول. وقال الجمهور إن غُسل الرجلين في نهاية الغُسل أفضل، لأن قول ميمونة صريح في ذلك، وحتى قول عائشة في الحديث الأول فإنه يذكر تأخر غسل الرجلين. وقال بعض علماء المالكية بتأخير غسل الرجلين إن كان الموضع وسخًا، قاله ابن الحاجب وغيره. وقال الأحناف إنْ كان في مستنقع أَخَّر رجليه وإلا فلا، فالتقى بعضُ المالكية مع الأحناف على أن علَّة تأخير غسل الرجلين هي النظافة.
والصواب هو أن الحديث الذي روته عائشة، والحديث الذي روته ميمونة بل وجميع الأحاديث الواردة في الغسل لم تأت على ذكر النظافة أو المستنقعات، فهذه إضافة أضافوها من عند أنفسهم، ذلك أن الأحاديث قد أخرت غسل الرجلين نصًا، فهو منطوق، والأحاديث التي لم تذكر ذلك كان تقديم غسل الرجلين فيها مفهومًا محتملًا، والمنطوق يُقدَّم على المفهوم المحتمل، وإذا وجد النص وجب المصير إليه والوقوف عنده، ولا يصح القول بما يخالفه.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقد يقال إن حديث عائشة ذكر الوضوء في أول الغسل ولم يستثن غسل الرجلين، ثم ذكر غسل الرجلين في آخر الغسل، فصار المطلوب غسل الرجلين مرتين: مرة في الوضوء، وأخرى في نهاية الغسل، فنقول: كلا، لأن حديث ميمونة ذكر المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين فقط، ولم يذكر مسح الرأس كما لم يذكر غسل الرجلين، وحديث ميمونة الثامن في إحدى رواياته جاء أصرح من حديثها الثاني حين قال «يتوضأ رسول الله - ﷺ - وضوءه للصلاة غير رجليه» . بل إن عائشة في الحديث السادس ذكرت المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين ولم تذكر مسح الرأس ولا غسل الرجلين، تمامًا كما ذكرت ميمونة، ما يدل على أن غسل الرجلين لا يُطلب منا مرتين، وليس في الأحاديث إلا غسلهما مرة واحدة وفي نهاية الغسل فقط. إذن فالواجب حمل الحديث الأول على الأحاديث الأخرى، والقول بغسل الرجلين فقط في نهاية الغسل.
٤- ورب قائل يقول إن صفة الغسل هي كالآتي: يغسل يديه أولًا ويغسل أعضاء الوضوء المذكورة ثانيًا ثم يغسل فرجه، ثم يُفيض الماء على رأسه وسائر بدنه، أي يؤخر غسل الذَّكَر أو الفرج إلى ما بعد الوضوء أو ما يسمى بالوضوء، ويستدل على ذلك بحديث رواه ابن عباس عن ميمونة زوج النبي - ﷺ - قالت «توضَّأ رسول الله - ﷺ - وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحَّى رجليه فغسلهما، هذا غُسله من الجنابة» رواه البخاري. فهذا الحديث ذكر غسل الفرج عقب الوضوء.
[ ١ / ٢٥٦ ]
فنرد عليه بأنَّ في هذا الحديث تأخيرًا وتقديمًا، وأنَّ الواو في هذا الحديث لا تفيد الترتيب، وذلك لأنَّ الأحاديث الصحيحة المارة ذكرت غسل الفرج قبل الوضوء، وكذلك الحديث الآتي الذي رواه ابن عباس عن ميمونة ﵂ قالت «سترتُ النبي - ﷺ - وهو يغتسل من الجنابة فغسل يديه، ثم صبَّ بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءَه للصلاة غيرَ رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحَّى فغسل قدميه» رواه البخاري. وله من طريقها روايات عديدة تجدون أربعًا منها في البند الثامن، وكلها باستثناء هذه الرواية تجعل غسل الفرج قبل غسل أعضاء الوضوء، فيُعمل بالروايات العديدة، وتُحمل هذه الرواية عليها. وعلى أية حال فنحن نتحدث هنا عن مندوبات الغسل، لأن الترتيب في الغسل مندوبٌ وليس بواجب. فمن شاء الإتيان بالمندوب جاء بالغسل مرتبًا كما ورد في الأحاديث.
٥- بخصوص نقض شعر الرأس: اختلفوا على مذاهب شتى. فقال الحسن وطاووس وأحمد: يجب النقض في الحيض دون غسل الجنابة، ورجَّح جماعة من أصحاب أحمد أن النقض في غسل الحيض هو للاستحباب، وكذلك النقض في غسل الجنابة. وقال ابن قُدامة (لا أعلم أحدًا قال بوجوبٍ فيهما إلا ما رُوي عن عبد الله بن عمر) فأضاف ابن عمر إلى أصحاب هذا الرأي، وقال النووي (حكاه أصحابنا عن النخعي) يعني الوجوب، فأضاف النخعي اليهم.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وقد استدل هؤلاء على دعواهم بحديث عائشة «أن النبي - ﷺ - قال لها وكانت حائضًا: انقضي شعرك واغتسلي» رواه ابن ماجة بإسناد صحيح. وقال الجمهور بعدم وجوب النقض مطلقًا، واستدلوا على رأيهم بالحديثين الرابع والخامس، وهو الصحيح، وذلك لأن الحديث الرابع يقول «أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا» وهو منطوق في عدم النقض في غسل الجنابة. وقد وقع في بعض ألفاظ حديث أم سَلَمة قالت «قلت يا رسول الله: إني امرأة أشدُّ ضَفْرَ رأسي، أفانقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تَحثي على رأسك ثلاث حَثَيَات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهُرين» رواه مسلم. وهذا منطوق في عدم النقض بغسل الحيض أيضًا، وهذه الزيادة يتعين قبولها والمصير إليها، وهو صريح في نفي الوجوب.
ومثله ما روت عائشة ﵂ «أن أسماء سألت النبي - ﷺ - عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسِدْرتها فتَطَّهَّر فتُحسن الطُّهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطَّهَّر فتحسن الطُّهور أو تبلغ الطُّهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤونَ رأسها، ثم تفيض عليها الماء » رواه مسلم. فلم يطلب الرسول - ﷺ - منها أن تنقض شعرها في غسل المحيض وفي غسل الجنابة، ولو كان واجبًا لطلبه. والحديث الخامس يقول «فلا عليها أن لا تنقضه» وهو منطوق أيضًا في عدم النقض، وهذا كله رد حاسم على من أوجبوا نقض شعر المرأة في غسل الجنابة وغسل المحيض.
[ ١ / ٢٥٨ ]
أما القائلون بوجوب النقض فسندهم كما أسلفنا حديث عائشة المار، وفيه «انقضي شعرك واغتسلي» فنرد عليهم بأن هذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به على دعواهم، لأنه جاء في غير الموضوع الذي تكلموا عليه، فموضوعه غسل الحائض عند الإهلال بالحج، وقد رواه ابن ماجة مبتورًا، وتمامُه أن عائشة أحرمت بعمرة، ثم حاضت قبل دخول مكة، فأمرها الرسول الكريم - ﷺ - أن تنقض شعرها وتمتشط وتغتسل، وتُهِلَّ بالحج وهي ما زالت في حيضتها، فهذا الغُسل ليس غسل المحيض الذي تكلموا عليه، فلا يصلح لمعارضة حديث أم سَلَمة. فقد روى النَّسائي وأبو داود وأحمد عن عائشة ﵂ قالت « فقدمتُ مكة وأنا حائض فلم أطُفْ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأَهِلِّي بالحج ودَعِي العُمرة » . فالحديث ينص على أنها تغتسل وهي حائض، وأن هذا الغسل إنما هو لأجل الإهلال بالحج، ومثله أو قريب منه ما روى أبو داود عن عائشة قالت «نُفِست أسماء بنت عُميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله - ﷺ - أبا بكر أن تغتسل فتُهِلَّ» . فهو غُسلُ حجٍّ للنفساء وليس غُسلَ تطهُّر من النفاس.
وهذان الغسلان يُحملان على أنهما لأجل النظافة وأنهما مستحبان، فلا يصلحان للاحتجاج على ما ذهبوا إليه من وجوب النقض في غُسل المحيض. قال البيهقي بعد أن روى حديث عائشة الأول (وهي أن اغتسلت للإهلال بالحج وكان غُسلها غُسلًا مسنونًا، وقد أُمرت فيه بنقض رأسها وامتشاط شعرها، وكأنها أُمرت بذلك استحبابًا كما أُمرت أسماء بنت عُميس بالغسل للإهلال على النفاس استحبابًا) .
[ ١ / ٢٥٩ ]
أما ما رواه الطبراني في المعجم الكبير والدارقطني في الإفراد عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها وغسلته بخَطْمِيٍّ وأُشْنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته» والخَطْمِيُّ - بفتح الخاء وسكون الطاء وتشديد الياء -: هو نبات يُدقُّ ورقه يابسًا ويُغسل به الرأس. والأشنان -بضم أوله وكسره- هي مادة تُغسل بها الأيدي. فهذا الطلب يُحمل على أنه للاستحباب، لقرينةِ طلب الخطمي والأشنان، وهو طلب ندب لأجل النظافة، ولقرينة حديث أم سَلَمة القائل «إنما يكفيك» .
ويدل أيضًا على عدم وجوب النقض ما رواه مسلم وأحمد «بلَغَ عائشةَ أن عبد الله ابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرغ على رأسي ثلاث إفراغات» . فهذا الحديث ينص على أن ابن عمرو كان يأمر النساء بنقض الشعر دون تفريق بين حيض وجنابة، وجواب عائشة وإن كان في الجنابة إلا أنها أنكرت عليه مطلق قوله ولم تُقيده ولم تخصِّصه، ولو كان النقض في الحيض واجبًا لنوَّهت به ولَما أنكرت على ابن عمرو قوله كله. وهذا يدل على عدم وجوب نقض الشعر في غسل الحيض وغسل الجنابة.
ومثله في الدلالة الحديث المروي من طريق عائشة ﵂ «أنَّ امرأة سألت
[ ١ / ٢٦٠ ]
النبي - ﷺ - عن غُسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: خذي فِرْصةً من مِسك فتطهَّري بها. قالت: كيف أتطهَّر؟ قال: تطهَّري بها. قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهَّري، فاجتذبتُها إليَّ فقلت: تتبَّعي بها أثر الدم» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي. قوله الفِرصة: هي القطعة من كل شيء. فهذا الحديث يذكر صنفًا آخر من التنظيف عند الاغتسال من الحيض، وهو كغيره تنظيفٌ مستحب ليس غير. وما قلناه في نقض الشعر وتخليل شعر الرأس للرجل نقوله في تخليل شعر اللحية، فهو مندوب لما روى عثمان ﵁ «أن النبي - ﷺ - كان يُخلل لحيته» رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وهذا الحكم عام في الغسل وفي الوضوء، وهو رأي الإمام مالك.
أما الآخرون فقد فرقوا بين الوضوء والغسل، فقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد والأوزاعي والليث وإسحق وأبو ثور وداود والطبري إن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة دون الوضوء، وهؤلاء استدلوا على رأيهم بما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأَنْقُوا البَشَر» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي. وبما رُوي عن عليٌّ ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فُعل بها كذا وكذا من النار. قال عليٌّ: فمن ثمَّ عاديت رأسي، وكان يجزُّ شعره» رواه الدارمي وأبو داود وأحمد.
وجوابنا على الحديث الأول قول راويه أبي داود (الحارث بن وجيه حديثه منكرٌ، وهو ضعيف) وعلى الحديث الثاني إن الصواب وقفه على عليٍّ، والحديث ضعَّفه النووي، وذكر ثلاثة ضعافًا في سنده. ثم إن حديث أم سلمة ردٌّ عليهم.
[ ١ / ٢٦١ ]
٦- واختلفوا في الدلك وإمرار اليد على الجسد في الغسل، فذهب الإمام مالك إلى وجوب الدلك باليد إلى حيث تصل من بدنه، وبمثل قوله هذا في وجوب الدلك قال أبو العالية وعطاء ودليلهم قوله تعالى ﴿حتى تغْتَسِلوا﴾ وقالوا: لا يقال اغتسل إلا لمن دلك نفسه. وقال الحسن والنخعي والشعبي وحمَّاد والثوري والأوزاعي وإسحق وأصحاب الرأي والشافعي والحنابلة إنه لا يجب إمرار اليد على الجسد في الغسل والوضوء، وهو الصحيح، لأن الأحاديث الشريفة ذكرت إفاضة الماء، فحديث أم سَلَمة «ثم تُفيضين عليك الماء فَتَطهُرين» وليس فيه ذِكرُ الدلك، ثم إن الغسل لغة لا يتضمن الدلك يقال: غسل الإناء إذا صب عليه الماء وإن لم يُمِرَّ يده عليه، والسَّيل يُسمى غاسولًا، ويقال عن الشيء: غسلته الأمطار إذا سقطت عليه. قال الشوكاني (لم نجد في كتب اللغة ما يُشْعِر بأن الدلك داخل في مسمَّى الغسل، فالجواب ما صدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة، اللهم إلا أَنْ يقال حديث «بلُّوا الشعر وأنقوا البشر» - على فرض صحته - مُشعرٌ بوجوب الدلك لأن الإنقاء لا يحصل لمجرد الإفاضة. ولا يقال إذا لم يجب الدلك لم يبق فرق بين الغسل والمسح، لأنَّا نقول إنَّ المسح هو الإمرار على الشيء باليد يصيب ما أصاب ويخطيء ما أخطأ فلا يجب فيه الاستيعاب بخلاف الغسل فإنه يجب فيه الاستيعاب) .
٧- والسنَّة في الغسل استعمال القليل من الماء لما رُوي عن سفينة قال «كان رسول
[ ١ / ٢٦٢ ]
الله - ﷺ - يُغَسُّله الصاع من الماء من الجنابة ويوضِّئه المُدُّ» رواه مسلم. ولما رُوي عن أنس قال «كان النبي - ﷺ - يتوضأ بالمُدِّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمدادٍ» رواه مسلم وأحمد. ولما رُوي عن عائشة ﵂ قالت «كنت أغتسل أنا والنبي - ﷺ - من إناء واحد من قدح يقال له الفَرق» رواه البخاري ومسلم وأحمد. والفرق - بتسكين الراء وفتحها - ستةَ عشرَ رطلًا بالعراقي. والمُدُّ: حفنة بكفَّي الرجل المتوسطتين. والصاع: أربعة أمدادٍ وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي، والمدُّ ربع ذلك وهو رطل وثلث. وهذا قول الحنابلة ومالك والشافعي وإسحق وأبي عبيد وأبي يوسف. أما أبو حنيفة فقال: الصاع ثمانية أرطال. ولسنا نريد الدخول في تفاصيل ليست بذات موضوع، لأن الأمر كله لأجل التقريب.
وباختصار نقول: بمعادلة هذه المكاييل بالمكاييل الحديثة نجد أن المُدَّ يعادل ربع لِتر تقريبًا، والصاع يعادل حوالي اللتر الواحد. وبتقريب أكثر نقول إن المُدَّ يعادل حوالي سدس قارورة ماء من قوارير المياه المعدنية، وهذه الكمية تكفي للوضوء، في حين أن حوالي قارورة واحدة من الماء تكفي للغسل، وهذا على رأي الحنابلة والشافعية والمالكية.
غير أن أم المؤمنين عائشة ﵂ روت الحديث «كنت أغتسل أنا والنبي - ﷺ - من إناء واحد من قدح يقال له الفَرق» . وبما أن الفرق ستة عشر رطلًا، فيكون نصيب الواحد منهما ثمانية أرطال، وهو تقدير أبي حنيفة، وبمعادلتها بالمكاييل الحديثة نجد أن الأرطال الثمانية تعادل قارورة ونصف القارورة تقريبًا، هي الكمية التي كان يستعملها الرسول - ﷺ - في غسله من الجنابة حسب حديث عائشة، وإذن فالغسل يكفي له من الماء ما بين قارورة واحدة وقارورة ونصف، ويكفي للوضوء سدس قارورة ماء فحسب.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وقد ذكرتُ هذه المكاييل والمقادير على وجه التقريب وذلك لعدم الحاجة لأكثر من ذلك وهذه المقادير لا يجب التقيد بها، وهي لم تُذكر إلا لمعرفة حدود الاعتدال في استعمال الماء للوضوء والغسل، واستعمال الماء باعتدال خير من تجاوزه بزيادة أو نقص سيما إن كانا كبيرين.
٨- الترتيب في الغُسل مندوب، ويدخل فيه من حيث الحكم غسل أعضاء الوضوء، فلا يجب الترتيب فيه، لأنه جزء من الغسل وليس هو وضوءًا حتى يجب فيه الترتيب بل هو مندوب، فيُندب البدء بغسل الميامن قبل المياسر، لما روت عائشة ﵂ قالت «أنْ كان رسولُ الله - ﷺ - ليُحب التَّيَمُّنَ في طهوره إذا تطهَّر، وفي ترجِّله إذا ترجَّل - وفي انتعاله إذا انتعل» رواه مسلم. ويبدأ برأسه أولًا ثم يُفيض الماء على سائر بدنه.
أمّا الموالاة فواجبة، وحدُّها أن يباشر بغسل العضو التالي قبل جفاف العضو السابق، أي يباشر بغسل التالي والبلل لا يزال في العضو السابق. ولا يعجبني قول من قال إن الموالاة لا تجب لأن الترتيب في الغُسل لا يجب، فاعتبروا الموالاة تابعة للترتيب. والصحيح أن الموالاة أمر مستقل عن الترتيب، فالترتيب في الغسل لا يجب كما يقول الجمهور، وهذا صحيح، لكن الموالاة لا بد منها وتظل واجبة، ولكن بالكيفية التي ذكرت، وإلا جاز للمسلم أن يغسل رأسه ويخرج من الحمام، ثم بعد ساعة يعود فيغسل صدره ثم يخرج، وهكذا حتى يفرغ من غسل جميع بدنه، وهذا كما لا يخفى ليس غُسلًا، بل لا بد من غسل العضو اللاحق قبل جفاف ماء العضو السابق حتى يصح اعتبار العملية كلها فعلًا واحدًا هو الغسل وهذا لا يحتاج إلى نصٍّ، وإنما هو من باب تحقيق واقع ما يسمَّى غُسلًا.
٩- هناك أمور بسيطة أودُّ ذكرها هنا تتميمًا للبحث هي:
أ- يجوز للمسلم الاستعانة بغيره في الغسل، لما روت ميمونةُ ﵂ زوجُ
[ ١ / ٢٦٤ ]
النبي - ﷺ - قالت «أدنيتُ لرسول الله - ﷺ - غُسله من الجنابة » رواه مسلم.
ب- يجوز للزوج وزوجته الاغتسال معًا من إناء واحد، لما روت معاذة عن عائشة ﵂ قالت «كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناءٍ بيني وبينه واحدٍ، فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي. قالت: وهما جنبان» رواه مسلم.
ج- لا يجوز لمسلم ولا لمسلمة الاغتسال على مرأى من الآخرين، لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد» رواه مسلم. ولما روى يعلى «أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبَرَاز بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال - ﷺ -: إن الله ﷿ حَييٌّ سِتِّير يحب الحياء والسِّتر، فإذا اغتسل أحدكم فلْيستتر» رواه أبو داود والنَّسائي ورجاله رجال الصحيح. والبَرَاز: هو الفضاء الواسع الخالي من الشجر.
د- يجب حين البدء بالغسل أن ينوي رفع الحدث الأكبر، لما روى عمر بن الخطاب ﵁ أن الرسول ﵌ قال «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى » رواه مسلم والبخاري.
هـ- إذا أجنب المسلم مرة ولم يغتسل، ثم أجنب ثانية أو ثالثة ولم يغتسل اغتسل مرة واحدة فحسب، ولا يجب عليه الاغتسال مرتين أو ثلاثًا بعدد المرات التي أجنب فيها، وذلك لما روى أنس «أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغُسل واحد» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «أن رسول الله - ﷺ - كان يطوف على جميع نسائه في ليلة، ثم يغتسل غُسلًا واحدًا» .
[ ١ / ٢٦٥ ]
ويُسَنُّ للمغتسل أن يذكر اسم الله عند بدء الاغتسال، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم وهذه التسمية ليست بحاجة إلى دليل خاص بها، وإنما المسلم يسمى الله عند كل فعل ذي بال.
ز- إن قلَّم أظافره ونتف إبطه وحلق عانته وأخذ من شاربه وتسوَّك وتطيَّب عند غسله كان ذلك أبلغ في النظافة وكان جمع سُننًا إلى الفرض.
ح- لا يُجزئ في الوضوء والغسل سوى الماء دون سائر المانعات، خلافًا لإزالة النجاسات التي يجوز فيها غير الماء مما يصلح للإزالة. قال تعالى ﴿فلم تَجِدُوا ماءً فتيَمَّمُوا﴾ فالله سبحانه لم يتركنا نختار أي مائع عند فقد الماء، وإنما طلب منا حينذاك التيمُّمَ. وقد روى أبو ذر أن رسول الله - ﷺ - قال «إن الصعيد الطيب طَهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فلْيُمِسَّه بشرته فإن ذلك خير» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه أحمد وابن ماجة. وهذا الحديث يفيد المعنى نفسه المستفاد من الآية الكريمة، فالوضوء والأغسال محصورة في استعمال الماء دون سائر السوائل والمائعات، فإن عدم الماء انتقلنا إلى التيمم بالتراب، وهذا القول لا أعلم أحدًا قال بخلافه.