الطهارة في اللغة النقاوة والتنزُّه من الأدناس. وفي الشرع رفعُ ما يمنع الصلاة والطواف ومسَّ المصحف من حَدَثٍ بالماء، أو رفع حكمه بالتراب، وإزالة النجاسة بهما أو بغيرهما. فأغسال الجنابة والحيض والنفاس تدخل تحت رفع الحدث الأكبر، والوضوء يكون لرفع الحدث الأصغر، وكلاهما يدخل تحت مدلول الطهارة، فالمسلم يكون طاهرًا طهارة كاملة بالغسل والوضوء إضافةً إلى إزالة النجاسة.
والطهارة عبادة وعمل من الأعمال، فتفارق المعاملات التي هي تصرفات قولية، ولذلك احتاجت إلى النية لقوله ﵊ «إنما الأعمال بالنِّيَّة، وإنما لامريءٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» رواه مسلم والبخاري من طريق عمر بن الخطاب.
وقد جاءت النصوص تعيِّن الماء لرفع هذين الحدثين دون سواه، خلافًا لرأي أبي حنيفة الذي يجيز الوضوء بالنبيذ، فإن عدم الماء قام التراب في التيمُّم مقامه مؤقتًا في جميع الأغسال والوضوء ريثما يوجد الماء.
[ ١ / ٥ ]
أما إزالة النجاسة فلا تفتقر إلى النية، خلافًا لمالك وأحمد، وأن المطلوب فقط هو زوال النجاسة بأي شكل أو أداة أو مادة، خلافًا لمالك والشافعي وأحمد الذين أوجبوا إزالة النجاسة بالماء فحسب. فالجسم نجس ما حمل نجاسة، وطاهر ما خلا منها، والحكم إنما يكون في الحال لا في المآل ولا في سابق الوقت، فإذا كان جسم لا يحمل نجاسة حكمنا بطهارته دونما حاجة لمعرفة ما إذا كان من قبلُ نجسًا أو لا، ولا كيف زالت نجاسته إن علمنا أنه كان من قبلُ نجسًا، كما أننا نعُدُّه طاهرًا ما دام لم يتنجس.
والنجاسات تسع: أربعٌ من الإنسان هي البول والغائط والمذي والودي، وثلاث من الحيوان هي الكلب والخنزير والميتة، وواحدة مشتركة بينهما هي الدم المسفوح، وواحدة من غيرهما هي الخمر. والنجاسات هذه لا تُطَهَّر، وإذا خالطت جسمًا طاهرًا نجَّسته، فصار هذا الجسم الطاهر متنجِّسًا، وعلى المتنجِّس مدار البحث في إزالة النجاسة. هذا هو مجمل الكتاب، وإليكم البيان والتفصيل.
الفصل الأول