يفترق غُسل الميت عما سواه من الأغسال الواجبة بما يلي:
١- إن وجوبه يقع على غير صاحبه في حين أن الأغسال الأخرى يقع وجوبها على أصحابها.
٢- هو فرضٌ على الكفاية في حين أن الأغسال الأخرى فروض عين.
٣- يكون واجبًا أحيانًا - وهو لعموم الأموات - ويكون غير واجب أحيانًا أخرى
- وهو للشهيد - في حين أن الأغسال الأخرى واجبة في كل حين.
وقد ذهب جمهور الأئمة والفقهاء إلى وجوب غسل الميت، وخالفهم المالكيون فقالوا: هو مستحب فقط لأنه غسل تنظيف وليس غسل عبادة، والصحيح هو أن غسل الميت فرض، وأنه حق واجب على الأحياء تجاه الأموات لا بد من الوفاء به. وقد ورد في هذا الغسل أحاديث أذكر منها:
[ ١ / ٣٠٠ ]
١- عن أم عطية قالت «دخل علينا النبي - ﷺ - ونحن نغسل ابنته فقال: اغسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك، إنْ رأيتُنَّ ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغْتُنَّ فآذِنَّني، فلما فرغنا آذنَّاه، فألقى إلينا حَقْوه فقال: أشْعِرْنَها إياه» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأهل السنن. وروى البخاري ومسلم عن أم عطية ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - في غسل ابنته «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» . وفي رواية قالت « فَضَفَرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها» رواه البخاري. والحَقْو: هو الإزار. وقوله أشعِرْنها: أي أُلْفُفْنَها فيه، والشِّعار من الثياب: هو ما يلي الجسد. وهذا الحديث برواياته أصلٌ في غسل الميت.
٢- عن ابن عباس ﵁ قال «بينما رجل واقف مع رسول الله - ﷺ - بعرفة إذ وقع من راحلته فأقْصَعته - أو قال فأقعصته - فقال رسول الله - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدر وكفِّنوه في ثوبين، ولا تُحنِّطوه، ولا تُخَمِّروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة مُلبِّيًا» رواه البخاري ومسلم. وهو أصلٌ في غسل المُحْرِم، وأنه يُكفَّن في ملابس الإحرام ولا يحنَّط ولا يُغطى رأسه.
[ ١ / ٣٠١ ]
٣- عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُدٍ في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أُشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلِّ عليهم ولم يغسِّلهم» رواه البخاري والنَّسائي والترمذي. وروى أحمد عن جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ - أنَّه قال في قتلى أُحُد «لا تُغَسِّلوهم، فإن كل جرح أو كل دم يفوح مِسكًا يوم القيامة، ولم يصل عليهم» . وهذا الحديث أصلٌ في عدم غسل الشهيد، وأنه يُدفن بثيابه ولا يُصلى عليه، فإن دماءه ستفوح مِسكًا يوم القيامة.
الحديث الأول يبين كيف يغسل الميت، وأن الغاسل له يبدأ بميامنه ومواضع الوضوء منه ثم يغسل سائر بدنه، ويُستحب أن يُغسل ثلاثًا أو أكثر ولا يُزاد على السبع، ويُجعل في الماء القليلُ من السدر للتنظيف وهو اليوم الصابون، والقليل من الكافور للتحنيط والتطييب، ولا بأس بوضع أي طيب آخر.
ولإتمام الفائدة أذكر عددًا من أحكام غُسل الميت، رغم أن هذا الموضوع مكانه كتاب الجنائز وليس كتاب الطهارة، فأقول: يلي غسلَ الميت زوجتُه إن كان متزوجًا، أو زوجها إن كانت متزوجة، والأقارب: الأقرب فالأقرب، وإن كان المتوفَّى في غير أهله غسَّله الرجال إن كان رجلًا، والنساء إن كانت امرأة، ولا يحل لهؤلاء النظر إلى عورته، لأن حُرمة العورة سواء للحي والميت، ويَلُفُّ الغاسلُ على يده خرقةً يغسل بها عورته حتى لا يمسَّها، وتكون العورة مغطَّاة، فيُدخل يده من تحت الغطاء.
والحديث الثاني يبين كيفية غسل من مات وهو مُحْرِمٌ بالحج، وكذا العمرة، وهو واضح لا حاجة إلى شرحه.
والحديث الثالث يبين أن الشهيد لا يُغسَّل ولا تُنزع ثيابه، وإنما يدفن بها بما عليها من دماء، ولا يُصلَّى عليه.