وأخيرًا نقف وقفة قصيرة مع نجاسة الدم. لقد استدلَّ بعض الفقهاء على طهارة الدم بالآثار التالية:
أ - عن عائشة ﵂ قالت «كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القِدْر» .
ب - قال الحسن «ما زال المسلمون يُصَلُّون في جراحاتهم» ذكره البخاري.
ج - عن المِسْور بن مَخْرَمة قال « فصلى عمر وجرحه يثعب دمًا» ذكره مالك والدارقطني.
د - كان أبو هريرة لا يرى بأسًا بالقطرة والقطرتين في الصلاة.
[ ١ / ١٢١ ]
ولم يأتوا بأي نصٍّ من القرآن أو الحديث. فنقول: إن جميع هذه الآثار وما يشبهها هي أقوال وأفعال من صحابة رسول الله - ﷺ -، وإذا تعارضت مع الأحاديث النبوية لم تصمد أمامها، فقد صحَّ عن الرسول ﵊ أنه أمر بغَسل الدم للصلاة، وأن الأحاديث التي سُقناها فيما سبق تدل على نجاسة الدم، فيُعمل بالأحاديث، ويُترك ما رُوي عن الصحابة من آثار مخالِفة.
وأيضًا فإننا لا نُسلِّم بأن هذه الآثار تدل على طهارة الدم، فرأْيُ أبي هريرة من أنه لا يرى بأسًا بالقطرة والقطرتين في الصلاة، يفيد نجاسة الدم وليس طهارته، إذ لو كان الدم عنده طاهرًا لما قيَّده بالنقطة والنقطتين، فالطاهر لو سال على الثياب وجرى بغزارة لا يؤثِّر في الصلاة، فلا يقال لا بأس بالقطرتين من الماء أو الزيت على الثوب أو البدن في الصلاة. أما قول عائشة في دم القِدْر، فهو أيضًا ليس دليلًا على طهارة الدم، لأن الشرع عفا عما لا يمكن التحرُّز منه، واللحم لا يمكن التَّحرُّز من الدم القليل الذي يخالطه، وإلا للزم تحريم أكل اللحم، فهذا القول من عائشة والرأي من أبي هريرة يُحملان على الدم اليسير غير المسفوح، لأن المحرَّم النجس هو الدم الكثير المسفوح.
[ ١ / ١٢٢ ]
أما ما صحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ من أنه صلى والدم يثعب من جُرحه، فهذا الأثر ليس مكانه هنا، وإنما مكانه في موضعين: حالة الاضطرار، وحالة السيلان غير المنقطع كالمستحاضة ومَن به سَلَسُ البول. لأن عمر حين طُعن واندلقت أمعاؤه أيقن أنه ميت وأنه في حالة النزع، وأن دمه سيظل ينزف حتى يموت، ولن يمهله الطب أو العلاج شيئًا، ولا يستطيع أن يغسل جراحه، لأن غسلها ربما يُعجِّل في القضاء عليه فصلَّى على حاله، وهذا أمر مقبول في مثل حاله، فلا يُستدل به على طهارة الدم. وكذلك فإنه ما دام الدم يسيل بشكلٍ متواصل ولا يمكن وقفه، فإنه يأخذ حكم من به سَلَس البول أو حكم المستحاضة، فيصلي ولو قطر البول ولو سال الدم، ولا يدل ذلك في الحالتين على طهارة البول أو على طهارة الدم، فلا يصلح ما حصل من عمر دليلًا على طهارة الدم.
فلم يبق إذن سوى ما رواه البخاري من قول الحسن «ما زال المسلمون يصلُّون في جراحاتهم» . والحسن هذا هو الحسن البصري وهو تابعي، وهذا القول منه على فرض أنه يشمل الصحابة رضوان الله عليهم فإنه ليس قولًا وليس نصًا في طهارة الدم، بل ليس فيه ذِكرٌ للدم، وإنما فيه أنهم كانوا يصلُّون وهم جرحى، والجريح قد يكون دمه يسيل، وقد يكون جرحه مربوطًا باللفائف، وقد يكون جرحه قد أوشك على الاندمال، وكل هؤلاء جرحى، ثم قد يكون الجرح يسيل دمًا كثيرًا، وقد يكون الجرح يرشح قليلًا، فكيف يُراد من هذا القول أن يُستنبط منه حكمٌ في طهارة الدم؟.