ب - لحوم الحُمُر الأهلية: لقد صنَّفها ناسٌ في باب النجاسات مستقلَّة بنفسها واستنبطوا حكم نجاستها من حديث أَمْرِ الرسول ﵊ المسلمين في غزوة خيبر بإراقة ما طبخوه من لحوم الحُمُر الأهلية، أي من قوله في الحديث «فإنها رِجس» وقد سبق هذا الحديث في بحث [سُؤر الحيوان] فنقول ما يلي: أما أن هذه اللحوم نجسة فهذا لا يخالف فيه فقيه، ولكن ذلك لا يعني إفرادها في باب النجاسات، بل الصواب وضعها أو إدراجها في باب نجاسة الميتة، فكل حيوان لا يُؤكل شرعًا لا يُذبح، ولو ذُبح لما جاز أكله، ولما ذكَّاه الذبح، وفي هذه الحالة يصبح ميتة يجري عليه ما يجري على أية ميتة، فالحمار الميت نجس، والثور الميت نجس، والأسد الميت نجس، وهكذا، وهذه كلها تدخل تحت مدلول كلمة ميتة، ولا حاجة لوضعها في بند منفصل.
ج - الصَّديد: هو سائل يفرزه الجلد المحروق أو المجروح. هذا السائل طاهر، وليس بنجس لأنه لم تثبت نجاسته في القرآن ولا في الحديث ولا بإجماع الصحابة، ولذلك يظل حكمه على أصله من الطهارة، ولم يضعه فقيه في باب النجاسات إلا بالقياس على الدم، ولا قياس هنا لأنه ليس دمًا ولا يشبه الدم في أوصافه وخصائصه، وليست بينهما علة مشتركة فيظل طاهرًا.
د - المني: لقد وردت فيه الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂ قالت «كنت أفرُكُ المنيَّ من ثوب النبي - ﷺ - ثم يذهب فيصلي فيه» رواه أحمد وأبو داود. وفي رواية ثانية لأحمد «أَحُتُّ المنيَّ» .
[ ١ / ١٢٥ ]
٢- عن عبد الله بن شهاب الخَوْلاني قال «كنت نازلًا على عائشة فاحتلمت في ثوبيَّ فغمستهما في الماء، فرأتني جاريةٌ لعائشة فأخبرَتها، فبعثت إليَّ عائشة فقالت: ما حملك على ما صنعتَ بثوبيك؟ قال قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه قالت: هل رأيتَ فيهما شيئًا؟ قلت: لا قالت: فلو رأيتَ شيئًا غسلتَه، لقد رأيتُني وإني لأحكُّه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظُفري» رواه مسلم. ورواه الترمذي وأحمد بلفظ «ربما فركْتُه» .
٣- عن عائشة ﵂ قالت «كنت أغسله من ثوب رسول الله - ﷺ -، فيخرج إلى الصلاة وأَثر الغسل في ثوبه بُقَعُ الماء» رواه البخاري.
٤- عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله - ﷺ - يسلِتُ المنيَّ من ثوبه بعرق الإذْخِر، ثم يصلي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه» رواه أحمد والبيهقي.
٥ - عن ابن عباس ﵁ قال «سُئل النبي - ﷺ - عن المنيِّ يصيب الثوب، قال: إنما هو بمنزلة المُخاط والبُزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقةٍ أو بإذْخِرة» رواه الدارقطني والبيهقي والطحاوي. وأخرجه أيضًا البيهقي موقوفًا على ابن عباس وقال (الموقوف هو الصحيح) .
٦ - عن عائشة ﵂ «أنها كانت تحُتُّ المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي» رواه ابن خُزَيمة. وروى ابن حِبَّان عن عائشة ﵂ بلفظ «لقد رأيتُني أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي فيه» ورجاله رجال الصحيح.
وقد وردت أحاديث أخرى لا تخرج في محتواها عن هذه الأحاديث، فاقتصرنا على هذا القدر منها.
[ ١ / ١٢٦ ]
وقد فهمت طائفة من الفقهاء من هذه الأحاديث أن المنيَّ نجس، وهؤلاء هم: أبو حنيفة ومالك والليث والأوزاعي والثوري. وذهب إلى طهارته الشافعي وأحمد وداود وأبو ثور وسعيد بن المسيِّب، ومن الصحابة علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة وابن عباس فيما رُوي عنهم.
والحق أن هذه المسألة شائكة ودقيقة، ذلك أن مجمل الأحاديث ورد فيها الغَسل والحتُّ والفَرك والسَّلت والمسح، ولكن المتفحِّص والمدقِّق يكتشف أشياء تُنير سبيل البحث، فالحديث الأول بروايتيه فيه أن عائشة كانت تفرُك المنيَّ وتحتُّه، دون بيان إن كان المنيُّ رطبًا أو يابسًا، والحديث الثاني بروايتيه فيه أن عائشة كانت تحُكُّ المنيَّ وهو يابس، وأنها كانت تفْرُكه وهو يابس وأنها قد خطَّأت عملية الغَسل، ولكنها في الحديث الثالث قامت بعملية الغَسل، دون أن تبين إن كان المنيُّ رطبًا أو يابسًا. أما الحديث الرابع ففيه أن الرسول - ﷺ - قام بنفسه بعملية السَّلت وبعملية الحتِّ للمنيِّ اليابس. وأما في الحديث السادس، فقد ورد فيه الحتُّ في رواية ابن خُزَيمة، والفرك في رواية ابن حِبَّان، دون بيان إن كان المنيُّ رطبًا أو يابسًا. إذن قد ورد الغَسل والفرك والحكُّ والحتُّ والسَّلت حينًا مقيدةً بالمنيِّ اليابس وحينًا آخر مطلقةً غير مقيدة.
[ ١ / ١٢٧ ]
أما الغسل فلا خلاف في أنه يُزيل المنيَّ الرطب واليابس، وأما السَّلْت فقد يزيل وقد لا يزيل، ولْنقل بغلبة الظَّنِّ إنه يُزيل المنيَّ الرطب واليابس. إذن الغَسل والسَّلت إنما قُصد منهما إزالة المنيِّ، وهذا يدل في ذاته وحده على نجاسة المنيِّ، وهذا هو دليل من قالوا بنجاسة المنيِّ، وهو دليل وجيه لو كان وحده أي لو اقتصرت النصوص عليهما فحسب، ولكن ورد الفرك والحكُّ والحتُّ للمنيِّ اليابس، والمعروف أن المنيَّ اليابس يُمسِك بالثوب ويُصَلِّبه ويُقسِّيه فضلًا عن كونه يعطي المكان اصفرارًا خفيفًا، وحيث أن الفرك - وهو أقوى في الإزالة من الحك والحتِّ - لا يزيل المنيَّ ولا يقلعه، وإنما يخفِّفه فحسب، فذلك يدل على أن الأمر بهذه الأفعال الثلاثة إنما قُصد منه التخفيف، وهذا ما استدلَّ به من قالوا بطهارة المنيِّ، فقد قالوا: إن الفرك لا يزيل المنيَّ، وذلك يدل على أن الإزالة غير مطلوبة، وبالتالي فالمنيُّ طاهر، وحملوا الأمر بالفرك على الاستحباب والنظافة.
ولكن المُنْصِفَ لا تكفيه هذه الحجة للقول بطهارة المنيِّ، إذ تقابلها حجة أقوى هي ما ورد في الأحاديث من فعل الغَسل، والغَسل يزيل المنيَّ تمامًا، وهذا دليل من قالوا بنجاسة المنيِّ وحملوا الفرك على عدم التشديد كعدم التشديد في غَسل الثوب من المذي مع أن المذي نجس. ولكن الموضوع لم ينته عند هذا المدى، فالحديث السادس يقول «أنها كانت تحتُّ المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي» ورواية ابن حِبَّان «لقد رأيتُني أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي فيه» والحديث صحيح وهو يحسم الخلاف، لأنه يدل على أن الرسول ﵊ قد صلى وفي ثوبه منيٌّ، فلو كان المنيُّ نجسًا لما ابتدأ الصلاة به، وهذا دليل قوي على طهارة المني.
[ ١ / ١٢٨ ]
ولا يقال: إن الرسول ﵊ لم يكن يعلم بوجود المنيِّ في ثوبه. لا يقال ذلك، لأن الذي يقول هذا القول يجب أن يُثْبته أولًا وهو لا يملك إثباتًا، وثانيًا إن الله سبحانه قد عصمه من الصلاة وهو يحمل النَّجاسة كما حصل معه حين نزل الوحي يخبره أن نعله تحمل نجاسة، فنزعها وهو في الصلاة، فالحديث قوي في الاحتجاج على طهارة المني. فإذا أُضيف إلى هذا الحديثِ الحديثُ الخامس المروي من طريق ابن عباس ﵁ حصل اطمئنان إلى صحة القول بطهارة المنيِّ، فالحديث يقول «إنما هو بمنزلة المُخاط والبُزاق» وهو صريح في طهارة المنيِّ، لأن المُخاط والبُزاق طاهران بلا خلاف أعلمه.
وقد يقال إن البيهقي قد روى الحديث موقوفًا على ابن عباس، وأنه قال (الموقوف هو الصحيح) والحديث الموقوف هو قول صحابي وهو ليس حُجة، وأن الدارقطني قد انفرد برفعه إلى الرسول ﵊. فنقول: إن الدارقطني لم ينفرد برفع الحديث بل شاركه في ذلك الطَّحاوي والبيهقي أيضًا. إنَّ الدارقطني بعد أن ساق الحديث قال (لم يرفعه غير إسحق الأزرق عن شريك) فإذا علمنا أن إسحق إمامٌ مُخرَّج عنه في الصحيحين كما يقول ابن تيمية وابن الجوزي، فذلك يعني أن انفراده بالرفع لا يضرُّ، وأن رفع الحديث زيادة، والزيادة يتعين المصير إليها كما هو معلوم. فالحديث صحيح ومرفوع، وهو كاف في ترجيح حُجَّة من يقول بطهارة المنيِّ. وبذلك يظهر وجه الحق في هذه المسألة، وتُحمل أحاديث الغَسل والفرك والسَّلت وغيرها على إزالة الوسخ والتنظيف المندوب فحسب.
[ ١ / ١٢٩ ]