[ ١ / ٣٠٢ ]
الحيضُ لغةً: السيلان والجريان، فيقال حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا إذا سال دمها، والمرأة حائض وحائضة، ومنه يقال للحوض حوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل ويجري. وفي الشرع: جريان دم المرأة من رحمها بعد بلوغها في أوقات معتادة. والحيض يجب له الغسل بلا خلاف، وهو معلوم من الدين بالضرورة، وقد وردت في غسل الحيض النصوص التالية:
١- عن أنس بن مالك «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يُؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحابُ النبي - ﷺ - النبيَّ - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المَحيضِ قل هو أذىً فاعتزلوا النِّساءَ في المَحِيض﴾، إلى آخر الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن حُضَير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا فلا نجامعهن، فتغيَّر وجه رسول الله - ﷺ - حتى ظننَّا أن قد وَجَدَ عليهما فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي - ﷺ - فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أنْ لم يَجِدْ عليهما» رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. قوله: لم يجامعوهن: أي يتركونهن وحدهن. وقوله: وَجَد عليهما: أي غضب عليهما.
[ ١ / ٣٠٣ ]
٢- عن عائشة ﵂ «أن أسماء سألت النبي - ﷺ - عن غسل المحيض فقال: تأخذ إِحداكنَّ ماءها وسِدْرتها فتطَّهَّر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرْصةً مُمَسَّكةً فتطَّهَّر بها فقالت أسماء: وكيف تَطَهَّر بها؟ فقال: سبحان الله تطهَّرين بها، فقالت عائشة كأنها تُخفي ذلك: تَتَبَّعين أثَر الدم » رواه مسلم. وفي لفظٍ « قال: خذي فِرصة مُمَسَّكةً فتوضَّئي ثلاثًا، ثم إنَّ النبي - ﷺ - استحيا، فأعرض بوجهه أو قال: توضَّئي بها، فأخذتُها فجذبتُها، فأخبرتُها بما يريد النبي - ﷺ -» رواه البخاري. قوله شؤون رأسها: أي أصول شعر رأسها. وقوله الفرصة
- مثلَّثة -: أي القطعةٌ من الصوف أو القطن أو ما إلى ذلك. وقوله مُمسَّكة: أي مُطيَّبة بالمسك. وأسماء الواردة في الحديث هي أسماء بنت شَكَل الأنصارية.
٣- عن أم سلمة ﵂ قالت «قلت يا رسول الله: إني امرأة أشدُّ ضَفْر رأسي أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تُفيضين عليك بالماء فتَطْهُرين» رواه مسلم. وقد مرَّ. ووردت في الحيض أحاديث أخرى منها الصحيح ومنها الضعيف، إلا أننا اكتفينا بهذه الأحاديث الثلاثة لأنها تفي بالغرض.
الحديث الثالث يدل على أنَّ صفة الغسل من الحيض تماثل تمامًا صفة الغسل من الجنابة، ففي الحديث إجابة واحدة من الرسول ﵊ على سؤال أم سلمة عن غسل الجنابة والحيض. فالحائض تغتسل كما تغتسل من الجنابة ولا يجب عليها نقض شعرها في غسل الحيض، كما لا يجب عليها نقضه في غسل الجنابة. وقد مرَّ بحثُه فلا نعيد.
[ ١ / ٣٠٤ ]
والحديث الثاني فيه حث الحائض على المبالغة في التنظيف والتطيُّب حتى يزول أثر الدم ورائحته، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسِدرتها، فتطَّهَّر فتحسن الطهور فتدلكه دلكًا شديدًا ثم تأخذ فِرصة مُمَسَّكة فالرسول ﵊ طلب استعمال السدر إلى جانب الماء، وهو يعادل الصابون في زمننا، وقال تطَّهَّر، ثم أضاف: فتحسن الطهور، وقال: تدلكه، وأكده بقوله: دلكًا شديدًا، وطلب تطييب الموضع بالطيب لتذهب رائحة الدم، ولكن هذه الطلبات كلها مندوبات وليست واجبة لأنها تنظيف وتطييب.
أما الحديث الأول فدلالته من دلالة الآية الكريمة التي تضمَّنها، وهي قوله سبحانه تعالى ﴿ويَسْأَلونَكَ عَنِ المَحِيض قُلْ هو أذىً فاعتَزِلوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبوهن حتى يَطْهُرن فإذا تطهَّرنَ فأْتُوهنَّ مِن حيثُ أَمَرَكُم اللهُ إنَّ اللهَ يُحبُّ التَّوابين ويُحبُّ المُتطهِّرين﴾ الآية ٢٢٢ من سورة البقرة. والتَّطهُّر في هذه الآية هو الغسل من الحيض.