وردت فيه الأحاديث التالية:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «من غَسَّل مَيْتًا فلْيغتسل، ومن حمله فلْيتوضأ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان والبيهقي.
٢- عن عبد الله بن الزُّبير عن عائشة أنها حدَّثته أن النبي - ﷺ - قال «يُغتَسَلُ من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة وغُسل الميت والحِجامة» رواه ابن خُزَيمة والبيهقي وأبو داود.
٣- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - «من غسَّل ميتًا فلْيغتسل» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وحسنه. وصحَّحه ابن حزم.
٤- عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «ليس عليكم في غُسل ميتكم غُسل إذا غسَّلتموه، إنه مسلم مؤمن طاهر، وإن المسلم ليس بنجس، فحسبُكم أن تغسلوا أيديكم» رواه البيهقي.
٥- عن عبد الله بن أبي بكر «أنَّ أسماء بنت عُمَيس غَسَّلت أبا بكر الصِّدِّيق حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إني صائمة وإنَّ هذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ مِن غُسل؟ فقالوا: لا» رواه مالك.
[ ١ / ٢٤٦ ]
٦- عن أسامة بن زيد ﵁ قال «دخل علي بن أبي طالب على رسول الله - ﷺ -، فأخبره بموت أبي طالب، فقال: اذهب فاغسله، ولا تُحْدِثنَّ شيئًا حتى تأتيني، فغسلته وواريته ثم أتيته، فقال: اذهب فاغتسل» رواه البيهقي.
٧- عن ابن عمر ﵁ قال «كنا نغسل الميت فمنَّا مَن يغتسل ومنَّا من لا يغتسل» رواه البيهقي والخطيب. وصححه ابن حجر.
وقد اختلف الأئمة في حكم الاغتسال من غسل الميت، فذهب علي وأبو هريرة في رواية عنهما، وابن حزم إلى وجوب الاغتسال. وذهب مالك وأحمد وأصحاب الشافعي إلى أن الاغتسال مُستحبٌّ، وذهب أبو حنيفة والليث إلى أن الاغتسال لا يجب ولا يُستحب.
وقبل أن نعمد إلى استنباط الحكم، لِننْظُر في هذه النصوص حتى نتبين الصالح منها للاستدلال من غير الصالح. الحديث الأول قال فيه البيهقي (قال البخاري: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا لا يصح في هذا الباب شيء)، وقال (هو الصحيح موقوفًا على أبي هريرة كما أشار إليه البخاري) . والحديث الثاني ضعَّفه أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود. والحديث الرابع رواه البيهقي من طريقين، وقال عن إحداهما (لا يصح رفعه)، وقال عن الأخرى (هذا ضعيف) . والحديث السادس ضعَّفه البيهقي، فقد قال (فيه علي بن أبي علي اللهبي، ضعيفٌ جرَّحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وجرَّحه البخاري وأبو عبد الرحمن النَّسائي) . وإذن فإن الأحاديث: الأول والثاني والرابع والسادس ضعيفة، فتسقط عن مرتبة صلاحها للاستدلال، فيبقى عندنا الحديث الثالث والحديث الخامس والحديث السابع.
[ ١ / ٢٤٧ ]
أما الحديث الثالث فيقول «من غسَّل ميتًا فلْيغتسل» فهو يأمر بالاغتسال، والأمر يفيد مجرد الطلب، والقرينة هي التي تحدِّد أيًا مِن أنواع الطلب هو المقصود، وليس في هذا الحديث قرينة، ولكننا نجد القرينة في الحديث الخامس والحديث السابع. أما الخامس فإن عددًا من الصحابة المهاجرين أفتَوْا زوجة أبي بكر الصدِّيق ﵄ بأنه لا غُسل عليها من تغسيل الميت، وقد أفتَوْها بعد أن قالت «إني صائمة وإن هذا يومٌ شديد البرد» وهذا الجواب من الصحابة ينفي وجوب الغُسل. وأما السابع فهو أن ابن عمر قال «منا من يغتسل ومنا من لا يغتسل» وهذا الفعل من أصحاب رسول الله - ﷺ - ينفي أيضًا وجوب الغسل، فلا يبقى أمامنا إلا الإباحة وإلا الندب فحسب. وحيث أن الغُسل مندوب لأنه تنظيف، فإن قوله ﵊ «مَن غسَّل ميتًا فلْيغتسل» يجعله يُحمَل على الندب والاستحباب، والمندوب يصح تركه، وهذا ما يفسر ترك ناس من الصحابة لهذا الغسل، وما يفسر فتواهم لامرأة أبي بكر - وكانت صائمة وكان اليوم آنذاك شديد البرد - بأن لا غُسل عليها. ومن ذلك يترجح رأي مالك وأحمد والشافعية القائل بالاستحباب.